لم تعد افغانستان بلداً يعني اهله من قبائل الطاجيك والاوزبك والبشتون، ولم يعد الصراع عليه حكراً على جماعة طالبان القادمين من حلقات الدرس في مدارس العلم الباكستانية، وجماعات تحالف الشمال من رموز المعارضة ومن كانوا يعرفون بالمجاهدين الافغان ايام الغزو الروسي لهذا البلد الغرائبي في اقداره ومسيرة الاحداث على ارضه، فأفغانستان اليوم هي قلب الاحداث، ومحركها وقبلة كل الانظار والاهتمام، وربما تمسك بمصير العالم دون ان تدري! افغانستان بلد مواز للفقر والمجاعات، وهو عنوان للتخلف الانساني وللصراع الذي لا ينتهي عليه وفي داخله، فحتى عندما يذهب الغزاة وينحصر خطر العدو الخارجي فإن هؤلاء الرجال الاشداء لا يستطيعون العيش بدون صراع، فكأنما الحرب وصراعات الكهوف والجبال تسليتهم وخبز حياتهم، أو كأنما هناك لعبة دولية كبرى تريد لهذا الاقليم ان يظل هكذا بدون هدوء وبدون استقرار او سلام. اذكر انني منذ عدة اشهر كتبت مقالاً حول افغانستان عندما اثيرت قضية المواجهة بين حكومة طالبان والمجتمع الدولي فيما يتعلق بتعليم النساء وتحطيم التماثيل وحماية (ابن لادن) وغيرها من الامور، يومها كتبت جملة اعترض عليها البعض وكانت (ان افغانستان بلد يعيش حالة انتحار مزمن، مرة بيد الغزاة الخارجيين، ومرة بيد ابنائه المتصارعين، والآن بيد طالبان واسامة بن لادن...) ولم اكن اتوقع ان يتحول الانتحار الى تظاهرة كونية تحشد لها قوى الارض ترسانتها ليكون المشهد بكل هذه المأساوية التي نعيشها يومياً دون ان ندري كيف ستكون النهاية؟! ان مشاهد الدمار التي تبثها شاشات التلفزة من داخل افغانستان لا تقل درامية عما يحدث هناك على الجانب الآخر من فوهة الجرح الاسلامي النازف في الارض المحتلة فلسطين، فالآلة العسكرية الصهيونية تعمل بحديدها ورصاصها وحقدها في الجسد الفلسطيني والدم الفلسطيني، بينما العالم مشدود الى قندهار وجلال اباد، وجبال افغانستان، تلاحق علامات الليزر وصواريخ توماهوك وكروز التي (تدمر) افغانستان المدمرة، والتي وصفها مراسل قناة ابوظبي باختصار شديد قائلاً: (لم نعد نفرق بين ما يدمر وما هو قائم على الارض، فكلاهما سيان، لأن افغانستان بلد مدمر وفي غير حاجة لمزيد من الدمار)!! رجال افغانستان اشداء يمتازون بالصلابة وقوة البأس والثبات على المبدأ، ساهمت طبيعتهم الجبلية، وتاريخ الحروب والمعارك وعروقهم المملوءة بدماء اسلافهم الاقوياء القدامى في رسم صورتهم الصلبة هذه، ومع ذلك، فإن للزمان سطوته، وللتغييرات دورها، وللحروب والمجاعات والفقر وذل الحاجة آثارها التي لا تخطئ.. وها هو هذا الشعب الصلب يواجه العالم بعيون متوسلة، ويلتقط اكياس الاغاثة التي تلقى على رأسه امام عيون الدنيا، بينما يأوي مع اطفاله وأهله في خيام مهلهلة تصفر فيها رياح التشرد واعاصير الشتاء الذي يدق الأبواب هناك! فهل يثوب العالم الى رشده رحمة بهؤلاء؟ وهل يعود هؤلاء وقادتهم وزعماؤهم الى منطق الحياة وكرامة الانسان ليحفظوا لهؤلاء المساكين حقهم في الحياة كبقية خلق الله؟ هل تسكت اصوات القاذفات، وهل ينتهي ليل الحرب الطويل؟؟ نتمنى ان يسكت قارع طبول الحرب قرعه فقد ملّت البشرية هذا الصوت القبيح جداً!! Aisha@albayan.co.ae