«الرئيس بوش اعلن تأييده لاقامة دولة فلسطينية، اسرائيل ايضا تؤيد ذلك .. لكن ضمن بعض الشروط ولا جديد في ذلك». بهذه البساطة الصريحة لخص رعنان غيسين مستشار شارون والناطق باسمه كل تلك الضجة العربية التي اثيرت حول تصريح للرئيس الامريكي الاسبوع الماضي أتى فيه على ذكر «دولة فلسطينية» بصورة مقتضبة وعابرة ودون ادنى التزام. فما هو قصد بوش .. ولماذا اثيرت الضجة العربية؟ لقد ورد قول الرئيس الامريكي في مناسبتين متقاربتين زمنيا، واولا وابتداء يجب ان نسجل ان كلتيهما مناسبتان اعلاميتان فالرئيس بوش لم يكن يخاطب في اي منهما مسئولا او مسئولين عربا، وانما كان يتحدث في كلا الحالين الى مؤتمر صحفي .. لم يكن حتى بين حضوره صحفي عربي واحد. ولو جاء حديث بوش، على اقتضابه وغموضه، في اجتماع رسمي مع رئيس عربي او وزير عربي لجاز ان نتفهم الى حد ما الضجة العربية التي اثيرت. اما ان يتلقف مسئولون ومعلقون عرب تصريحات اعلامية ويبنوا تخريجات وآمالا بل ونتائج مقدما على «كلام جرايد» فان هذا يتم اما عن تفكير رغبوي في افضل الاحوال او تضليل عمدي في اسوئها. في المؤتمر الصحفي الاول قال الرئيس بوش ان قيام «دولة فلسطينية» ظل جزءا من الرؤية الامريكية، نعم «رؤية» وليس قرارا او سياسة رسمية ثابتة. ثم ان الرئيس امسك عن الخوض في تفاصيل حول «الدولة الفلسطينية» واوصافها وما اذا كان لواشنطن شروط تحكم قيامها. وهذا القول على تهافته اتبعه الرئيس بتوضيح جعله اكثر تهافتا. ففي المؤتمر الصحفي التالي قرن بوش قيام«الدولة الفلسطينية» بشرط يجعل منها تلقائيا «لا دولة» فحدود هذه الدولة يجب ان تكون موضع تفاوض «بين الطرفين» اي الجانب الفلسطيني والجانب الاسرائيلي. من هنا نفهم مغزى تصريح مستشار شارون الساخر. انه يتساءل: ما الجديد؟ بمبدأ «الدولة الفلسطينية» توافق عليه امريكا منذ زمن كما نوافق عليه نحن، ولكن هناك شروط. وهذا هو مربط الفرس كما يقولون والشروط المتفق عليها امريكيا واسرائيليا معلومة لدى الجميع .. منها ماهو فوري ومنها ماهو مستقبلي. الشروط الفورية تتمحور حول تنفيذ «مشروع ميتشيل» و«مشروع تينت» بشأن «وقف العنف واحلال التهدئة» وهذه الشفرة معناها باختصار وضع نهاية حاسمة للانتفاضة الفلسطينية فلا تقوم لها قائمة ابدا. اما الشروط النهائية فانها تنطوي على تصور لدولة فلسطينية شكلية ليس الا: دولة بلا جيش .. وبلا سيطرة على حدودها او اجوائها او سيادة على الاقتصاد الوطني .. ان تكون فقط مجرد ولاية تابعة لاسرائيل. ما الجديد اذن في تصريحات بوش؟ ليس هناك اي جديد سوى ظروف حمى «مكافحة الارهاب العالمي» وحاجة الولايات المتحدة الى ابقاء الدول العربية داخل حظيرة «التحالف الدولي». ان الدول العربية تتحرج من انتمائها الى تحالف دولي باسم مكافحة الارهاب ذي اجندة لضرب اهداف عربية واسلامية، دون ضرب اسرائيل المصنفة عربيا كأبرز نموذج في العالم لارهاب الدولة. واذن فان واشنطن بحاجة، من اجل المحافظة على التحالف، الى اعطاء الحكومات العربية شيئا يمكن ان تبرر به امام شعوبها مشاركتها في التحالف: شيء يمكن ان يبدو في ظاهره الشكلي كتنازل امريكي دون ان يكون كذلك في جوهره. وهذا هو معنى تصريح بوش الذي سوف يبقى مجرد تصريح ذي قيمة دعائية فقط لمساعدة حكومات في تضليل شعوبها.