عندما أصدرت السيدة «فاي ويلدون» روايتها الجديدة في صيف العام الحالي بعنوان «عصبة ـ او رابطة ـ بو نفاري» اثارت الروائية البريطانية وروايتها لغطا بل ضجة شديدة في الاوساط الادبية في انجلترا في العالم. ونستطيع ان نلخص هذه الضجة، من وجهة نظرنا اليعربية ـ بعد اذنك ـ بأنها عبور الخط الفاصل بين الناحيتين او بين العالمين وهما الاديب.. والادباتي: وبين المبدع الكاتب والموظف المستخدم الكاتب وقبل ان نسترسل في الموضوع نحب ان نسر اليك بحكاية صديقنا الاستاذ الدكتور فلان الفلاني وهو مفكر عربي فلسطيني كبير ما زال مقيما في قاهرة المعز.. وقد كنا عائدين معا من رحلة سياسية وفكرية كما قد نسميها فإذا بموظفي الجوازات في مطار القاهرة العتيد يستوقفون صديقنا العزيز الاستاذ الدكتور.. المفكر.. الخ متشككين في شخصيته والصنعة التي اختار ان يمتهنها اذ كان قد سجل في خانة المهنة لفظة «كاتب » ويومها تساءل الموظفون. ما معنى كاتب هذه وكاتب في اي مصلحة او دائرة حكومية؟ ومتى سيترقى المذكور الى درجة باشكاتب.. الخ. يومها خرجنا من حرم المطار بالعافية كما يقولون وقد حمدنا المولى على ان صديقنا لم يكتب في خانة المهنة لقب مفكر او فيلسوف او متأمل الى اخر الالقاب والاحوال التي تجعل اعوان الدولة وموظفي الحكومة يشكون في رجاحة عقل المذكور او يحدقون في سحنته شذرا.. على سبيل اضعف الايمان. والحاصل ان الادباتي ـ كما تعرفه المفردات الدارجة في مصر هو ذلك الشاعر الشعبي الذي يتكسب ـ يتكفف او يتكدى في مفردات لغتنا الفصحى الشريفة من ابيات الشعر او بالأدق النظم المسبوك التي يمدح فيها فلانا وقد يرسل بعضا منها فيما يشبه الهجاء من باب الضغط او الابتزاز او التلويح بالتشهير وقد تناهت الى زماننا من تراث القرن التاسع عشر صورة ـ لا ندري كيف تكونت عناصرها وطيوفها عبر الزمن ـ لذلك الادباتي التاعس الذي كان يجوب الساحات والاسواق يرتاد القهوات والمنتديات التي كان يغشاها الموسرون من الاعيان والوجهاء ـ في اقاليم الارياف بالذات ـ يمدحهم او يبتزهم ببضاعة من الشعر التعيس بدوره وقد ارتدى الشاعر اياه سراويل وقلنسوة اقرب الى السواد. هكذا كان الادباتي، اقرب الى المسخ والى المتسول الذي كان الناس يعدونه اقرب الى المهرجين اين هذا من الاديب الذي ظل يتمتع بتوقير واحترام حتى ولو كان يعاني شظف العيش او رقة الاحوال. لا ادري هل حدثتك عن السنة الحميدة التي كان قد ابتدعها ثم اتبعها الاستاذ احمد حسن الزيات صاحب وناشر مجلة الرسالة يرحمه ويرحمها الله ـ ولها فضل عميم على اجيال سبقتنا من ابناء العربية في العصر الحديث ـ وقد كانت هذه العادة الحميدة عن الاستاذ الزيات تخلع لقب «الاديب» او الاديبة على كل من يبعث بمادة ادبية ـ فكرية ـ فنية من شعر او نثر بحيث تصلح للنشر على صفحات الرسالة وفيما عدا ذلك تنشر المادة منسوبة الى صاحبها اذا كان في عداد المعروفين.. الاستاذ محمد فريد ابو حديد مثلا.. او الدكتور طه حسين مثلا. لكن هاهي السيدة فاي ويلدون (اسمها بالكامل فرانكلين بركين شو) تنشر رواية عن رابطة بولفاري فإذا بالرواية الجديدة عبارة عن اعلان مطول ومسهب لصالح مؤسسة بولفاري وهي عقبال عندك من أشهر بيوتات المجوهرات الايطالية التي ذاع صيتها في العالم منذ انشائها في القرن التاسع عشر ومن ثم استحق هذا العمل الغريب لقب رواية ـ اعلانية في تاريخ الابداع الادبي. وقبل ان ترتفع حواجب النقاد والقراء بالدهشة الممزوجة بالاستنكار فقد كشفوا الستار عن ان الرواية قد تم ابداعها او بالادق اعدادها او تدبيجها بتكليف مباشر من دار بولفاري اياها وفي مقابل مبلغ مالي غاية في السخاء وربما قطع من المجوهرات شغل ايطاليا غاية في النفاسة والجمال. المشكلة ان القوم لا يعلمون مبلغ الشيك الذي تقاضته الروائية الانجليزية الذائعة الصيت ولا اطلعوا على علبة المجوهرات المخملية التي وصلت اليها وقصاراهم ان عرفوا انها تلقت منذ عامين زجاجة عطر ثمينة غالية السعر تعبيرا عن اعجاب الخواجة بولفاري بفنها وابداعها.. وربما كان العطر هو فتح شهية أو وسيلة استدراج لكي تكتب رواية يذكر فيها اسم بولفاري نحو 20 مرة وتعمد فيها عبارات الوصف ومفردات الحوار بين الشخصيات الى التغني بمآثر الخواجة الجواهرجي المذكور اعلاه لا سيما بمناسبة الاحتفال بافتتاح محله الجديد في شارع كذا بالعاصمة لندن (طبعا لن نذكر لك اسم الشارع كيلا نتعرض لطائلة قسم الاعلانات في جريدتنا الغراء وكم كان بودنا ان نفعل وربما ينوبنا من الحب جانب كما يقولون. ولا تحسبن ان امر الانتقال قد دار في أوساط مبدعي الادب او جمهرة ناقديه. لقد خرجت القضية من صالونات الثرثرة الادبية لتصبح قضية مطروحة على مستوى التذوق والاهتمام العام. وما ظنك بجريدة سياسية كبرى في حجم نيويورك تايمز ـ وكان ذلك طبعا قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر وما اعقبها ـ تخصص واحدة من افتتاحياتها الرصينة لحكاية استئجار الادباء لصالح الاعلان عما يخرجه الى السوق اهل الصناعة والانتاج من سلع او بضائع او خدمات. وقد حرصت التايمز على الاشارة الى عدم اكتراث السيدة ويلدون ازاء ما تعرضت له من قوارص الهجوم حيث تساءلت قائلة. هل ارتكبت من جانبي خيانة بحق ناموس الادب المقدس؟.. حسنا.. انا لا يهمني شيء ثم تضيف نيويورك تايمز ان الامر المثير للقلق ان الرواية الجديدة لم تقتصر على التغني بمآثر الجواهرجي الايطالي بولفاري ولكنها جاءت عملا ادبيا متقنا وليس مجرد اعلان مدفوع فالكاتبة موهوبة وشهرتها عريضة ومركزها في بانثيون الابداع الادبي راسخ مستقر.. ورغم ان النشر اقتصر على طبعة أنيقة محدودة بلغت 750 نسخة، الا ان جماعة من نقاد الأدب ما لبثوا ان اشادوا بالرواية كعمل ادبي في حد ذاته وبصرف النظر عن التوجه الاعلاني الذي احتذته المؤلفة وقد دللوا على وجاهة رأيهم هذا من واقع موافقة دار «هاربر» ذات السمعة العريقة في عالم الطباعة، على نشر الرواية وهو ما جعل النيويورك تايمز تقول ان الرواية بفضل هذه الموافقة تحولت الى حيث اصبحت علامة بارزة ونموذجا للعمل الادبي الذي يعامل معاملة البضاعة المدفوعة الثمن وهي في هذا تشبه افلام السينما سواء بسواء حيث يصورون البطل وهو يدخن سيجارة ماركة كذا او يصورون البطلة تنعم بشراب الكولا او تنزل بخطوات الغزال الرشيقة من سلم طائرة شركة طيران كذا.. وكله بحسابه وبمختلف العملات ولان الكيل قد فاض بمحرر نيويورك تايمز ـ فقد راهن على آليات السوق.. بمعنى ان اقبال القراء او احجامهم، قبولهم او رفضهم لهذا الجنس ـ الفصيل الادبي الذي نراه مولدا او هجينا وقد داخلته اوشاب الاعلان ـ هو الفيصل الاساسي في التحليل الاخير لحياة او موت هذا النوع من الاعمال الادبية صحيح ان هناك من يقولها بالفم المليان. وما له.. الا تذكرون العصور القديمة التي كان فيها المتنبي يتكسب من عطايا سيف الدولة او يبلغ به طمع المهنة حد ان يطلب نوال كافور الاخشيدي صاحب مصر الى حد ان يمدح كافور قائلا: قواصد كافور توارك غيره ومن يقصد البحر، يستقل السواقيا وعلى مستوى اوروبا ـ يقول نفس المنطق ـ الم يكن الاباطرة والامراء والنبلاء هم رعاة الأعمال الابداعية (باترون) كما كانوا يسمونهم من شعر ورسم ونحت وموسيقى ولا جواب على هذا كله الا بالقول ان البشرية قلما تنجح في انجاب عباقرة متفردين في قامة المتنبي الذي جعل من مديحه لسيف الدولة او حتى لكافور او غيره عملا ادبيا خالصا ومتفردا وباقيا في ذاكرة الزمن او في عبقرية دافنشي او مايكل انجلو وقد نسى الزمن افضال آل مديتشى وغيرهم في رعايتهما وبقيت ابداعاتهما اعمالا يزدان بها تاريخ الفن التشكيلي الجميل، او في موهبة ويليام شكسبير الذي كان يكتب مسرحياته واشعاره وقد ركز عينه اليمنى على شخوصه وابياته فيما ارسل عينه اليسرى مركزة على ارضاء مليكته الراعية الحادبة اليزابيث الاولى ـ حسب ألوان هؤلاء المبدعين ان كان يرفع اعماله تربى الى راعيه او راعيته.. وقصاراه كما كان يفعل البحتري او ابو تمام او زهير او حتى النابغة ان ينوه في سياق ما باسم ممدوحه او ان يشيد بفضله.. وبعدها يصطفي لوجه الابداع جوهر الفن الجميل.. اما حكاية ان يكتب الاديب روايته لوجه الاعلان عن سلعة او منتوج.. او يكتب الموسيقي اعماله الفنية لكي يشيد بمآثر السيارات والارائك وتركيبات المطابخ الانسيابية واحدث ماركات الاحذية فذلك تخليط لا يليق بمقام الأدب ومكانة الادباء حتى ولو كان المقابل عقدا من الماس او شيكا سمينا كما يقول الامريكان.