أما وقد بدأت الحرب بلهيبها وسخونتها ضد ما يسمى بالإرهاب، بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية، في حشد تحالف دولي لا يستهان به، رغم التفسيرات والتأويلات للكثير من بعض الأطراف الدولية والعربية والإسلامية، بالانطلاق من أعلى قوة تدميرية، عنوانها القنابل الذكية وصواريخ توماهوك وكروز التي تخترق 1500 قدم من التحصينات الأسمنتية، والقاذفات الاستراتيجية ب52، باتجاه أضعف قوة أفغانية، قد خلق جواً من التكهنات والتحليلات المتضاربة، بين من يعتبر أن نهاية هذه الحرب مجرد عملية مؤقتة، بالنظر إلى القوة المقابلة التي لا تمتلك ما قد يؤهلها للصمود في وجه هذه الآلة العسكرية الجبارة. ومن يرى بأن دورة من الصراع المديد قد بدأت فصولها المأساوية، بحيث أنها لن تنتهي بسهولة وأنها ستطول، وستحمل معها الكثير من التداعيات على المحيط الجغرافي، طالما بقيت حرباً جوية، إلا إذا تمكنت الولايات المتحدة بقدرة قادر من القضاء المبرم على تنظيم القاعدة، وإحداث انقسامات وانشقاقات في حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان، بمساعدة الجار الباكستاني المنحاز كلياً إلى التحالف الدولي لمحاربة ما يسمى بالإرهاب. سيناريوهات محتملة وقد بدأت الكثير من الصحف ووسائل الإعلام الغربية، والآسيوية تخوض مباريات بلا ملاعب أو متفرجين إلا من خلال ما تقع أعينهم عليه، وما يتطاير بالأثير، في رسم سيناريوهات محتملة لهذه الحرب الحامية الوطيس، ولعل أبرزها ذلك السيناريو الذي أجمعت عليه الكثير من الآراء، والذي يتلخص بالتالي: أولاً: تقوم باكستان بإغلاق حدودها مع طالبان، بهدف تجفيف المعونات الشعبية، التي قد تقوم بها القوى الباكستانية المتحالفة مع طالبان بحربها ضد القوات الأمريكية المناوئة لها، والحد ما أمكن من حركة المتطوعين، وبعض الإمدادات اللوجستية. وقد بدأت الحكومة الباكستانية تطبيق هذا الإغلاق منذ مدة على أرض الواقع وعلى مرأى ومسمع طالبان وقوات المعارضة الباكستانية حيث لم يكن هذا الأمر بجديد، أو مفاجئ لاحد على الإطلاق. ثانياً: أن تقوم واشنطن، ومن خلال أدوات تدميرها بقصف عنيف لشبكة الطرق الأفغانية من خلال بحر العرب، ومراكز حركة طالبان ودفاعاتها الجوية ومطاراتها، وقد تم ذلك، لكن دون قصف شبكة الطرق، ولعل ذلك قد برره رامسفيلد في أول تصريح له عقب الجولة الأولى من القصف الجوي والصاروخي المنبعث من الأساطيل البحرية البريطانية، باعتبار أن العملية لم تنته بعد. ثالثاً: تعود القاذفات الاستراتيجية، بصواريخها الذكية، وبعد أن تكون قد أمنت قوات التحالف تقارير استخبارية دقيقة، عن تواجد قيادات طالبان، وبالأخص الملا عمر، وقائد تنظيم القاعدة، لملاحقتهما. وبعد أن تكون بهذا القصف المحدد الأهداف قد اخرجتهم من المغارات الجبلية والكهوف، وتدمير كل ما خبئ من أسلحة وعتاد خاصة بطالبان. رابعاً: يتم بعد ذلك إعطاء الإشارة إلى قوات الشمال للتحرك نحو كابول وقندهار، وقد تكون بقيادة بعض القوات الأمريكية، المحددة على شكل مجموعات قيادية، من التي نزلت في أوزبكستان، والتي لم يكن عددها كما صرحت وكالات الأنباء، ألف عنصر، بل قد يزيد هذا العدد أضعاف الأضعاف، لأن الولايات المتحدة تدرك جيداً، بأن العملية ليست نزهة، بل هي حرب وعرة تكتسب وعورتها من الجغرافيا والعقائد المغلقة التي لم تنفتح يوماً على الآخر، إلا بحدود أضيق من الضيقة. ولعله من قبيل التذكير أن هذه القوات الأمريكية الخاصة مدربة على أعمال الاستقصاء والمخابرات والاستكشاف والاستطلاع، وكل الدلائل تشير إلى أنها ستدخل مع قوات المعارضة الشمالية، باعتبارهم خبراء في طبيعة أرضهم، بهدف تحديد مواقع تنظيم القاعدة، والذين يمتلكون أدوات الاتصال الحديثة مع المركز، بما في ذلك غرف عمليات البنتاجون، وعندها سيبدأ الصراع الجدي على الأرض، الذي سيستخدم فيه القنابل الخارقة والذكية باعتبارها بداية المعركة. بموازاة ذلك ومن خلال توسيع دائرة القصف الجوي والبحري، يسعى هذا القصف المنظم والمدروس، لتضييق المساحات الجغرافية على قوات طالبان، ليتسنى للقوات الأمريكية بعد ذلك، حتى ولو تأخر بالقبض على ابن لادن، من إعلان حكومة وحدة وطنية في كابول العاصمة، وقد يكون توسيع دائرة القصف الأولى الذي طال معظم المدن الأفغانية، بداية من كابول ومزار الشريف مروراً بهيرات وجلال آباد ومدينتي فرح وقندوز قرب طاجيكستان، تأتي في ذات السياق. ومقدمة لكي تتمكن أمريكا من قصقصة أجنحة طالبان، من خلال ضرب الدفاعات الجوية المتواضعة والمطار والتلفزيون، بالمقابل تعتبر هذه الضربة بالنسبة للولايات المتحدة، الوسيلة الوحيدة المتاحة راهناً بالنسبة لها، خاصة وأنها بهذا الوضع في أفغانستان، ليست مهيأة لخوض حرب برية، ولا يمكنها استخدام أسلحة التدمير الشامل، كما دأبت في بادئ الأمر على ترداد التهديد باستخدامها، إلا أنها تراجعت بعد أن هدأت النفوس، وهذه القضية محكومة برؤية دولية عامة، والخروج عنها ليس استثناءً بل تدميراً شاملاً للكون والحياة، خاصة وأن أفغانستان محاطة بكل أسلحة الدمار النووي والكيماوي، الهند والصين والباكستان وروسيا، وطاجيكستان، وقد تكون إيران هي الأخرى تمتلك المصنّع من هذه الأسلحة. الحرب المفتوحة لكن إذا كان والأمر كذلك، فحري بنا أن نرى الصورة عند الآخر الأفغاني، فأفغانستان، ليست العراق ولا يوغسلافيا، فهي بلد وعرة لا تمتلك أهدافاً ومواقع استراتيجية، كما يحاول البعض المتخصص بالعلوم العسكرية، أن يفهمنا بأن ما يفصل أفغانستان عن هاتين الدولتين ورقة من الكربون. فحركة طالبان منذ اللحظة الأولى، التي وقعت فيها حادثة 11 سبتمبر، في الولايات المتحدة بضرب برجي التجارة العالمية في منهاتن بنيويورك، والبنتاجون في واشنطن، ووقع اختيارها بالضربة الانتقامية باعتبارها الحلقة الأضعف، غيرت كل مواقعها، وأن المطارات ليست مزدحمة بالطائرات الحربية، كما يحاول البعض رسم صور هلامية لنا حول هذا السلاح، ووسائل الدفاع الجوي تكاد تكون أقل من متواضعة. خاصة وأنها كانت قد ورثتها في نهاية الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي من القوات السوفييتية المهزومة، بالإضافة لما تبقى لها من بعض الصواريخ الأمريكية، الخاصة بالحوامات طائرات الهيلوكبتر، وليس لطائرات الشبح وأف 16 وغيرها من الطائرات المتطورة والحديثة التي تستعصي على الكشف والمتابعة، مثل صواريخ ستينجر الأمريكية المحمولة على الكتف، وسام 7 المشابه لستينجر. والاهم من ذلك أنه منذ اللحظة الأولى لبدء الحوار الساخن، انتقلت حركة طالبان بعدتها إلى الجبال التي تشكل ما يعادل 80%، من مساحة الجغرافيا الأفغانية، والتي تحتوي على كل أنواع الكهوف والمغاور والممرات الإجبارية الضيقة، التي تفقد الآليات العسكرية تقنياتها، ولا يصلح فيها إلا حرب العصابات. وقد يكون الحكم على أن الحملة قد نجحت من خلال قصف خمسين قاعدة أرضية لطالبان وقصف المدن الأفغانية، مجرد وهم، لان قوات طالبان لا تزال متماسكة، ومستعدة لحرب عصابات طويلة الأمد باعتبارها الخيار الوحيد لها، وكما قلنا أخذت كل احتياطاتها مسبقاً. وما يمكن أن يدعنا نحكم على نجاح الولايات المتحدة في تحالفها، فقط قدرتها في اختراق صفوف طالبان، واقناع فريق قوي من داخلها للقيام بانقلاب على الملا عمر ومن ثم يتم القبض بعد ذلك على ابن لادن. خاصة وأننا ندرك جيداً بأن الحرب الجوية ليست حرباً، وهذا النوع من القتال لا يمكن أن يحسم المعركة، ولا يمكن بالمقابل لقوات التحالف أن تدمر طالبان من الجو، وأن الولايات المتحدة تعي ذلك جيداً، وأن لديها تجربة مع العراق، فهي منذ عشر سنوات تحاصر العراق، بالتزامن مع الحظر الجوي لكنها أخفقت في إسقاط الحكومة العراقية. أي بكلام آخر، لن تنتهي الحرب بسهولة وأنها ستطول طالما بقيت حرباً جوية، وحتى لو دخلت قوات التحالف الشمالي كابول العاصمة وقندهار، لان الحرب المفتوحة أداتها ما يعادل 25 مليوناً من المواطنين الأفغانيين ومعظمهم من قبائل البشتون، وأنه من الصعوبة بمكان، أن يحسم هذه المعركة متخصص هنا أو هناك بمقابلة تلفزيونية، وأن دولاً صغيرة لا تمتلك كل هذه الملكات والقناعات الذي يمتلكها الشعب الأفغاني، ولم تكن أحزابها تحظى بالكثير من الالتفاف الشعبي قد اخرجت الولايات المتحدة منها بفعل الضربات الموجعة، والحرب أساساً، قائمة في أفغانستان بسبب النزاع على الملك، أو إذا شئت التركة. وقد تكون تصريحات رامسفيلد واضحة بهذا الشأن، والتي أطلقها في أعقاب الضربة الأولى، بأن الحملة تختلف عن الحروب العادية، وأن على العالم أن يخلق ظروفاً مناسبة للقضاء على طالبان، بداية من تجميد العوائد المالية، وانتهاء بالعمليات العسكرية لان العملية ليست سهلة. كما أضاف في مؤتمره الصحفي الذي أذاعه من البنتاجون، بأنه لانجاح العملية يتوجب استخدام كل ما لدينا من وسائل متاحة لإحراز النصر على طالبان. ـ كاتب فلسطيني