قبل سويعات من موعد مؤتمر صحفي للرئيس بوش اذاع مكتب التحقيقات الفيدرالي اخطر بيان تحذيري له منذ احداث «الثلاثاء الاسود» 11 سبتمبر، فقد جاء في البيان، وكان مقتضبا للغاية، انه توفرت للمكتب «معلومات مؤكدة» ـ نعم «مؤكدة» ـ بأن عملية ارهابية كبيرة ستقع داخل الولايات المتحدة في غضون «اليومين المقبلين». والتحذير اذيع يوم الخميس الماضي. وبالطبع كان البيان التحذيري في مقدمة المحاور التي دارت حولها اسئلة الصحفيين في المؤتمر الصحفي للرئيس، حين فوجيء الحضور بأن الرئيس لا يشارك الـ «إف بي آي» «اختصار اسم مكتب التحقيقات الفيدرالي» قلقه وكأنه يطلب من الصحفيين ومن جماهير الشعب الامريكي عبرهم، ألا يلقوا بالا لذلك التحذير الخطير. وهكذا بدت المسألة غامضة ومحيرة للأفراد والاسر في المجتمع الامريكي. واذا كنت مواطنا امريكيا عاديا فمن تصدق في هذه الحالة: الجهاز الأمني الاعظم الذي من المفترض ان يعلم بأمر الجرائم الكبرى قبل غيره، ام رئيس الجمهورية الذي من المفترض ان يكون محيطا بكل شيء؟ اغلب الظن ان الحيرة سوف تتوزعك بين هذا وذاك الى ان تتغلب غريزة البقاء على تفكيرك فتقرر اخيرا التزام منزلك من باب التحوط. ولكن السؤال الاصلي يبقى: ما هو تفسير هذا التناقض بين جهاز الامن الداخلي ورئيس الجمهورية في دولة عظمى من المفترض انها النموذج الاول لانضباط السلطة العليا؟ كيف ينصح مكتب التحقيقات المواطنين ضمنا بالبقاء داخل المنازل اتقاء لكارثة ارهابية كبيرة «دون ان يحدد تفاصيلها» وشيكة الوقوع خلال 48 ساعة، بينما في الوقت نفسه يهون رئيس البلاد من الامر ناصحا المواطنين بالخروج من اجل اعمالهم وشئونهم الخاصة؟ للاقتراب من هذا اللغز يحسن بنا في تقديري ان نطرح السؤال بصيغة مختلفة: من يكون المستفيد من ابقاء جماهير الشعب الامريكي في حالة ترعيب مستديم؟ وهذا السؤال يكتسب اهميته من ان ال«إف. بي. آي» عمد الى اصدار تحذيرات متتالية. انه ليس من المعقول اطلاقا بعد الاحداث الاسطورية التي وقعت في كل من نيويورك وواشنطن يوم «الثلاثاء الاسود» ان يستحث الرئيس الامريكي جماهير شعبه للخروج الى اعمالهم وشئونهم وهو يعلم علم اليقين ان هناك كارثة ارهابية اخرى على وشك الوقوع. الرئيس اذن يهون من البيان التحذيري لانه يعلم انه ليس تحذيرا جادا، غير ان الرئيس نبه المواطنين في الوقت نفسه الى التحلي باليقظة والتبليغ عن اي شيء أو اي شخص يبدو عليه اشتباه. خلاصة القول ان ابقاء الشعب الامريكي في حالة رعب دائم ربما صار الآن سياسة معتمدة، وهنا نعود الى السؤال: لماذا؟ ومن المستفيد؟ اغلب الظن ان المستفيد اسرائيل والحركة الصهيونية. كيف؟ لمدى شهر حتى الآن منذ احداث 11 سبتمبر، ظل الـ «إف بي. آي» يصدر من حين لآخر تحذيرا باحتمال وقوع عملية ارهابية من نوع أو آخر: هجوم كيماوي او هجوم جرثومي او ربما اختطاف طائرات مرة اخرى. وربما يلجأ رجال الجهاز بين الفينة والاخرى الى اعتقال «مشتبه بهم» يكونون عادة من العرب أو المسلمين غير العرب. وهكذا تترسخ يوما بعد يوم لدى جماهير الشعب الامريكي كراهية العرب والمسلمين كحالة مرتبطة على الدوام بعمليات ارهابية لا تنتهي، وهكذا ايضا بطريقة غير مباشرة يتنامى التعاطف مع اسرائيل واليهود. مسلسل «تحذيرات» ال«إف. بي. أي» لن ينتهى اذن، لانه بات فيما يبدو سياسة ثابتة. احمد عمرابي