رغم ان الصورة لا تحوي في مشاهدها الرئيسية سوى القنابل والصواريخ وازيز الطائرات التي اصبحت لا تفرق بين الاهداف العسكرية والمدنية في العاصمة كابول والمدن الرئيسية الاخرى في افغانستان مثل قندهار وجلال اباد، واصبحت الصور القليلة التي تعرض على شاشات التلفزة ، هي صور البؤس والشقاء لملايين الافغان الذين يتحدث مسئولو الاغاثة انهم يواجهون بالفعل بداية لكارثة انسانية هائلة غير واضحة الابعاد حتى الآن لا سيما حينما يبرز وزير الدفاع البريطاني في الصورة وهو يؤكد ان الحملة الجوية على افغانستان قد تمتد الى عامين مما يزيد في قتامتها. ورغم ان وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد يبدو في الصورة اليومية للمؤتمر الصحفي الذي يعقده مع رئيس الاركان مشوشا في معلوماته ومتضاربا احيانا بين قذف القنابل العنقودية والانشطارية وصواريخ كروز وعلب البسكويت والمأكولات الامريكية التي يلقونها على الافغان، او منحهم الفرصة لصلاة يوم الجمعة دون قصف وقت الصلاة تقديسا ليوم الجمعة ثم قتل عشرات المدنيين والاعتراف بذلك ليلة الاسراء والمعراج، كلها جوانب تدعو للسخرية في تلك الصورة التي يبدو التخبط واضحا فيها على المستوى السياسي ايضا بين تصريحات وزير الخارجية كولن باول ونائبه ريتشارد ارميتاج التي قال فيها ان دولا مثل سوريا قد تواجه عملا في مرحلة لاحقة، فيما صرح باول ان العمل قاصر على افغانستان الآن. اما على مستوى المسلمين في العالم فالحملة العنصرية تتصاعد ضدهم بشكل تجاوز كل الحدود واسقط شعارات الغرب حول الحرية وحقوق الانسان والتعددية وتنوع الاعراق، وخرجت تصريحات بيرلسكوني وقبله بوش وبعدهما تاتشر لتشكل حقيقة النظرة الغربية للمسلمين وان استتبعت باعتذار غير واضح، مما دفع الصين الى ان ترفض ركوب العرب طائراتها ودولا وشركات اخرى تعلق رحلاتها الجوية للدول العربية والاسلامية. هذه هي المشاهد الرئيسية في الصورة، لكني سعيت خلال الايام الماضية للبحث عن الجوانب والمشاهد الايجابية في الصورة وان كانت صغيرة، فوجدت ان حملة العداء الغربي الكبير للاسلام قد دفعت الاوروبيين والامريكيين الى محاولة التعرف على هذا الدين، فنفذت في معظم المكتبات الرئيسية في الدول الغربية الكتب التي تتحدث عن الاسلام والنسخ المترجمة للقرآن، وكثير من الغربيين الذين ربما لم يكونوا يلقوا على جيرانهم المسلمين سوى التحية اصبحوا مهتمين بالتعرف عليهم وعلى دينهم، ولان رجال اف بي آي واجهزة الامن الغربية بشكل عام لا يعرفون الكثير عن الاسلام كلفوا بدراسة عادات المسلمين وسلوكياتهم وبعض جوانب دينهم، ربما ليعرفوا كيف يحاربونهم، لكن فهم الدين الاسلامي بشكل صحيح حتى من غير المسلمين امر مهم لانه يحوي من القيم ما يدفع الناس الى احترامه والايمان به. كما ان المجتمع الامريكي ربما لاول مرة يبدأ في الاهتمام بالقضايا الخارجية البعيدة عن حدوده، حتى ان مجلة «نيوزويك» الامريكية نشرت في عددها الاخير ان 58% من الامريكيين الذين شملهم استطلاع قامت به المجلة ـ يرون ان السياسية الامريكية غير المتوازنة تجاه القضية الفلسطينية هي السبب الرئيسي لما حدث في واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، كما ارتفعت اصوات عشرات الكتاب الغربيين ليتحدثوا عن مساويء الغرب في سياساته ضد المسلمين، كما اصبح كثير من الكتاب العرب والمسلمين يستكتبون من الصحف الغربية الكبرى لابداء آرائهم، واصبحت كثير من وسائل الاعلام العالمية رغم انها تضع السم في العسل تطرح آراء كثير من المسلمين وتستضيفهم، وارتفع صوت اعداء العولمة. ورغم ان المحطات التلفزيونية الغربية اخذت تبث في البداية صورا لاطفال فلسطينيين مبتهجون ويوزعون الحلوى بعد ما وقع في 11 سبتمبر، الا ان هذه الصور جاءت نتيجة عكسية ودفعت الامريكيين للسؤال عن اسباب ذلك، وقادت الى النتيجة التي اعلنتها نيوزويك في استطلاعها، وفي كثير من المدن الامريكية ارتدت نساء امريكيات غير مسلمات الحجاب على رؤوسهن تعاطفا مع النساء المسلمات، واعلن قبل اسبوعين عن يوم «المنديل» اي الحجاب تضامنا مع المسلمات، ونشرت «الجارديان» البريطانية تقريرا مفصلا عن ارتفاع نسبة الاقبال على تعلم اللغة العربية في الجامعات الامريكية والاوروبية بعد احداث 11 سبتمبر بنسب كبيرة، حيث ان احدى الجامعات الامريكية كان بها 22 طالبا فقط ارتفعوا الى مائتين في الفصل الجديد يتعلمون العربية. ان الصورة الكبيرة تبدو قاتمة وسوداوية بالفعل، لكن الجانب الآخر من الصورة مليء بالايجابيات وان كانت بسيطة وقليلة لكنها على المدى البعيد ان وجدت من يرعاها سوف تعود بالفائدة الكبرى على الاسلام والعرب والمسلمين. ـ كاتب واعلامي مصري