تتوالى الرسائل من المسئولين الأمريكيين وحلفائهم في الغرب .. في محاولة لطمأنة العرب والمسلمين والتأكيد على أن الحرب في أفغانستان تستهدف الإرهاب وليس الإسلام كما تتوالى التصريحات من المسلمين العرب بأن لديهم تأكيدات أمريكية بأنه لا تفكير في ضرب بلاد عربية ضمن الحملة الحالية. ومع ذلك فالشكوك تحيط بكل ذلك، والإطمئنان المطلوب لم يتأكد، والمخاوف تزداد من إتساع نطاق الحرب وإمتدادها للأرض العربية بكل ما يعنيه ذلك من إنفجار في الموقف لا يعلم إلا الله مداه. وأول الشكوك تأتي من تصريحات المسئولين الأمريكيين وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي بوش نفسه . فبعد ما نشر رسميا عن تلقي الملك عبد الله عاهل الأردن تأكيدات أمريكية بأنه لا توجد نوايا لضرب دول عربية في إطار الحملة على الإرهاب، سارعت واشنطن إلى النفي القاطع لوجود مثل هذه التعهدات ومع بدء الحملة على أفغانستان قال بوش مطمئنا العرب إنه يستبعد ضرب العراق في المرحلة الحالية وهو ما أكده مسئولون أمريكيون وبريطانيون عديدون تاركين المراحل الأخرى لتقدير أمريكا، وهو الأمر الذي تأكد بعد ذلك في الرسالة الأمريكية لمجلس الأمن بمناسبة بدء الحملة الأمريكية على أفغانستان، حيث أكدت واشنطن في رسالتها أنه لايزال هناك الكثير مما لا نعلمه، فتحرياتنا في مراحلها الأولى، وقد نجد أن دفاعنا عن النفس يقتضي أعمالا أخرى تتعلق بتنظيمات ودول أخرى . وتأتي الشكوك العربية أيضا من هذه اللوائح التي تتوالى من أمريكا بأسماء المطلوبين الذين تعتبرهم أمريكا أخطر الإرهابيين في العالم . وكلها أسماء لعرب ومسلمين، وبينهم عدد من الذين أشارت المباحث الفدرالية الأمريكية إلى إنتمائهم لحزب الله اللبناني حيث تم اتهامهم بتفجير مقر المارينز في بيروت واحتجاز رهائن أمريكيين في لبنان! الحرب الغامضة وتأتي الشكوك العربية أيضا من لائحة المطالب الأمريكية التي تم تقديمها لبعض الدول العربية والإسلامية، والتي احتوت ـ كما أكدت مصادر مسئولة ـ على ضرورة إيقاف أية مساعدات مادية أو عسكرية لتنظيمات المقاومة العربية مثل حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد في فلسطين، واعتبارها منظمات إرهابية وفقا للرؤية الأمريكية التي وضعت هذه المنظمات ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، ووضعت سوريا وإيران ضمن الدول الراعية للإرهاب! وتأتي الشكوك العربية أيضا من حجم الحملة العسكرية الأمريكية ـ البريطانية، والتي لايمكن أن يكون هدفها الوحيد هو الدخول في حرب وهمية ضد بضعة آلاف من جنود طالبان أو القاعدة يمكن أن يقوم بمهمة القضاء عليهم تحالف الشمال في أفغانستان نفسها إذا تم دعمه، أو قوات باكستان إذا أحسن مكافأتها ! وتأتي الشكوك العربية من الإصرار على بقاء أهداف الحرب الأمريكية غامضة والتمسك بالحصول على تأييد العالم لها مع الاحتفاظ ـ في الوقت نفسه ـ على حرية الحركة كاملة والحق في أن تضرب من تريد في الوقت الذي تشاء تحت لافته الحرب ضد الإرهاب مع الرفض الكامل لوضع هذه الحرب في إطار الشرعية الدولية، والتسويف في عقد مؤتمر دولي يحدد بدقة ما هو الإرهاب وكيف تتم مقاومته ؟ وما هي المعايير التي تستخدم في التفرقة بين الإرهاب وبين حق الشعوب في مقاومة المحتل وإستخدام كل الوسائل ـ بما فيها القوة المسلحة ـ لتحرير أراضيها ؟! على أن أخطر الشكوك تأتي من هذا الجو المحموم في أمريكا والغرب الذي يجري إمداده على الدوام بسموم العنصرية والكراهية ضد العرب والمسلمين . وبغض النظر عن زلة لسان الرئيس الأمريكي بوش حين تحدث عن هذه الحرب باعتبارها حربا صليبية وبغض النظر أيضا عن وقاحة بعض المسئولين والسياسيين مثل بيرلسكوني عضو المافيا ورئيس وزراء إيطاليا أو العجوز التي مازالت تطمح لدور سياسي مارجريت تاتشر فإن ما يجري في كواليس الإعلام والثقافة والفكر هو الأخطر، فبرغم تصريحات رسمية في أمريكا وغير أمريكا على أن الحرب هي ضد الإرهاب لا الإسلام، فإن حملة الكراهية والعنصرية تشتد، والاستغلال البشع لأحداث الثلاثاء الدامي في أمريكا يحاول ـ بجهود صهيونية حثيثة ـ قيادة الأمور إلى صراع مروع بين الإسلام وبين حضارة الغرب المسيحي. وكل شئ يجري استغلاله لهذا الهدف بدءا من الرغبة الأمريكية في الإنتقام لما حدث لها، وإنتهاء بمشاعر التعصب الديني التي كانت تنتشر في أمريكا في السنوات الأخيرة، ومرورا بالحديث عن تخلف العرب والمسلمين وعدائهم للحضارة الغربية، وإلى الحديث عن مصالح الغرب التي تستلزم السيطرة على منابع البترول والثروة التي يملكها المسلمون ولا يستحقونها، إلى الحديث عن صدام محتوم بين حضارة إسلامية تخلفت أربعة عشر قرنا!! وبين حضارة الغرب المسيحية بقيادة أمريكا والتي ينبغي أن ينتهي التاريخ عند أقدامها ويخضع العالم كله لما تفرضه من قيم وقوانين! وأبرز حليف لهذا التصور أن يجري اختراع صورة مشوهة للإسلام، وأن يتم تقديم المسلمين على أنهم حالة ميئوس منها من التخلف والتعصب الذي يقود إلى الإرهاب.وهكذا تم توجيه الإتهامات من اللحظة الأولى الى تنظيم القاعدة بقيادة بن لادن، وأصبحت أفغانستان البائسة هي الخصم الذي يهدد الحضارة الغربية . وحتى يمكن تبرير الحرب المقرره، فلابد من تضخيم الخصم والإفاضة في الحديث عن إمكانياته الوهمية والأخطر من ذلك أن يتم تسويقه باعتباره الناطق الرسمي بإسم الإسلام الذي يهدد بإفناء الحضارة الغربية، ويقدم الوجه المقابل لعنصرية الغرب بتقديم فكر متخلف يتحدث عن حرب المسلمين ضد المسيحية واليهودية، وجهادهم ضد هؤلاء الكفار لأنهم كفار! وبين يوم وليلة، وبفضل إعلام طاغ، أصبحت طالبان هي التي يتم تقديمها باعتبارها الصورة المثلى للمسلمين، وأصبح أسامه بن لادن هو الناطق الرسمي باسم المسلمين وأصبح الفكر الذي يطرحه هو ما يتم تقديمه للرأي العام الغربي باعتباره خلاصة العقيدة الإسلامية وآخر اجتهادات العرب والمسلمين . وأمريكا والغرب يعرفون أن هذا كله ليس صحيحا، كما نعرف نحن وأكثر . فحربنا لم تكن يوما ضد المسيحيين بل ضد العدوان على حقوقنا، وعداؤنا ليس لليهودية بل للصهيونية التي اغتصبت وشردت شعبا واقامت دولة هي الرمز الأعظم للإرهاب في هذا العصر، وجهادنا ليس لتدمير الحضارة الإنسانية بل لكي نكون كما كنا دائما جزءا أصيلا منها .. نضيف إليها ونستفيد منها ونكون من صانعيها وليس فقط من المستهلكين لها، ومعركتنا الأساسية هي ضد الفقر والقهر والتخلف من ناحية، ولاسترداد حقوقنا المنهوبة وأرضنا المحتلة وقدسنا الأسيرة من ناحية أخرى . وإذا كنا نحارب هذه المعارك تحت راية العروبة، فلأنها لم تكن يوما دعوة عنصرية، ولم تكن إلا نداء للنهضة والتقدم والحرية في إطار من الإنسانية الشاملة . وإذا كنا نحارب معاركنا تحت راية الإسلام فلأنه دين الحق والرحمه معا، دين القوة والعدل معا، دين كرامة الإنسان واحترامه أيا كانت معتقداته، والمساواه بين البشر مهما اختلفت أجناسهم. إن عملية خلط الأوراق التي تتم الآن ببراعة شديدة من أجل تشويه صورة العرب والمسلمين لا تستهدف فقط تهيئة الجو لضرب أفغانستان، وإنما سيكون لها ـ في مراحل تالية ـ أوخم العواقب.. حين تمتد الضربات إلى دول ومنظمات عربية وإسلامية لا دخل لها بالإرهاب، وحين يتم الخلط المتعمد بين الإرهاب وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وتحرير أراضيها، وحين يترسخ الصراع على أنه صدام حضارات كما يتم الترويج له، وهو صدام ـ إذا وقع ـ فسوف يفجر الأوضاع في العالم كله . ومواجهة ذلك لا تتم بإحناء الرأس للعاصفة كما يرى البعض، ولا بالإصطفاف في التحالف الأمريكي دون قيد أو شرط، ولا بالسكوت على الحملة المغرضة التي تستهدف توريط أمريكا والغرب في صدام مع العرب والمسلمين . لكن المواجهة ينبغي أن تتم بالدعوة إلى نقطة نظام نقول فيها بكل الوضوح وبأعلى الصوت إن ما جرى ويجرى ليس مسئولية العرب ولا المسلمين بل هي مسئولية الذين صنعوه، والذين يقودون الحرب ضده الآن !! بدون أي شعور بالذنب ينبغي أن نتحدث إلى العالم، وأن نذكره بما يريد أن ينساه أو يتناساه البعض في الحرب التي لابد منها ضد الإرهاب! ليس العرب ولا المسلمين، بل الغرب المتحضر هو الذي استعمر بلاد المشرق لقرون طويلة، ونهب ثرواتها وثروات أفريقيا وآسيا ليصنع تفوقه ويترك التخلف وراءه حين تم إجباره على الرحيل، ثم يأتي بعد ذلك لكي يقول انه غير مسئول عن هذه المأساة التي لا يريد أن يتحمل مسئوليتها ويقدم التعويض المناسب لضحاياها. والغرب بقيادة أمريكا هو الذي لجأ في منتصف القرن لاستغلال الاسلام في حربه ضد قوى النهضة العربية. هو الذي أقام الأحلاف العسكرية باسم الاسلام بالرغم من إرادة الشعوب العربية، وهو الذي دعم الجماعات التي حاربت - باسم الاسلام المفترى عليه - دعوات الوحدة العربية ومحاولات اللحاق بالعصر وبناء القوى العربية القادرة على استرداد الحقوق المسلوبة وإقامة مجتمعات العدل والحرية. والغرب ـ بقيادة أمريكا ـ هو الذي غذى مشاعر الحماس الديني لدى الشباب المسلم، ليدفع بهم وقودا لحربه ضد السوفييت في أفغانستان، وهو الذي جاء بعشرات الألوف من الشباب العربي وأشرف على ترحيلهم الى هناك وقام بتدريبهم وتجهيزهم ودفعهم الى ميادين القتال. فإذا ما انتهت المعركة بهزيمة السوفييت، كانت مكافأة أفغانستان أن تعود لفقرها وبؤسها وحرب العصابات على حكمها، وكان مصير العرب الذين كانوا يجاهدون ضد السوفييت أن تتم إعادتهم الى البلاد العربية والاسلامية ليحولوها الى دار جهاد يمارسون فيها القتل والذبح باسم الاسلام المفترى عليه. والغرب ـ بقيادة أمريكا ـ هو الذي وقف يتفرج على المأساة في الجزائر، ويقيم الاتصالات مع جماعات الارهاب وهي تضرب استقرار مصر، ويوفر المأوى لقادة الارهاب في بلاده بعد ارتكاب جرائمهم في الدول العربية، ولا يتحرك إلا بعد أن انقلب السحر على الساحر وحدث ما حدث في نيويورك وواشنطن. والغرب هو الذي يدوس على كل القيم الانسانية، ويحتقر كل قرارات الشرعية الدولية حين يقف وراء رمز العنصرية في أبشع صورها، ويدعم حكومة السفاحين في اسرائيل وهي تحتل الأرض وتقتل الأطفال وتشن حربها القذرة ضد شعب فلسطين. والغرب هو الذي يقيم نظاما عالميا يترسخ فيه استغلال الأقوياء على الضعفاء، ويزداد فيه هو ثراء وتقدما، بينما معظم شعوب العالم تعاني ـ في ظل نظام العولمة ـ من الفقر والبطالة وفقدان الأمل في أي تقدم حقيقي. ليس العرب والمسلمون هم الذين فعلوا كل ذلك، واذا كان البعض منهم قد تحول الى الارهاب، فليس بسبب عروبتهم أو اسلامهم، وإنما بسبب الغرب نفسه الذي شجع ودرب ومول هذه الحركات حين كان يحتاجها، والذي أطلقها بعد ذلك لتعيث فسادا في الأرض العربية والاسلامية، والذي داس على كل القوانين السماوية والبشرية حين سمح بما حدث ويحدث لشعب فلسطين، والذي أقام نظاما عالميا يزداد فيه بؤس البؤساء وحرمان الشعوب التي طال استغلالها ما بين استعمار قديم وعولمة حديثة! صناعة غربية الارهاب الذي نواجهه ـ مع العالم كله ـ ليس صناعة عربية أو إسلامية، بل هو صناعة الغرب التي صدرها إلينا فارتدت اليه، أما إسلامنا فهو دعوة التسامح والحرية والعدل. وأما جهادنا فهو ضد الاستغلال الذي نهب ثرواتنا وضد الصهيونية التي اغتصبت أرضنا، وضد التخلف الذي ورثناه من سنوات الاستعمار الغربي الطويل، وضد جماعات قامت برعاية الغرب لتحاول إعادتنا للقرون الوسطى، وضد إرهاب تم زرعه في أرضنا ليعوق مسيرتنا ويشوه صورتنا ويحاول تقديم العرب والمسلمين على أنهم أعداء الحضارة. فلنبادر بالهجوم حتى لا ينجحوا في جر العالم الى حرب صليبية جديدة ولتكن رسالتنا واضحة: أنتم الذين زرعتم هذا النوع من الارهاب في أرضنا لخدمة مصالحكم، وحين ينقلب عليكم فهذه بضاعتكم ردت اليكم. أما نحن فلن ندفع ثمن هذه الجريمة مرتين: مرة حين عانينا ويلاتها لسنوات وأنتم تتفرجون، ومرة أخرى حين تحاولون الآن تحميلنا مسئولية ما حدث، أو تستغلونه في الاساءة للاسلام وتشويه صورة العرب وسلبهم حقهم المشروع في مقاومة الاحتلال والرد على الإرهاب الحقيقي الذي تمارسه اسرائيل وهي تقتل وتذبح وتدمر وتحتل الأرض، والغرب المتحضر ـ بقيادة أمريكا ـ يصفها بأنها واحة الديمقراطية في المنطقة! ـ نائب رئيس تحرير جريدة «اخبار اليوم» المصرية