شكلت الصورة التلفزيونية والصحفية وسيلة دعائية هامة على مدى محطات الأحداث المتداعية فصولها منذ الهجمات ضد نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر الماضي، بل انها مثّلت أيضاً أداة ترويج فكرية لكل من الإدارة الأمريكية وخصومها الذين تتهمهم بالإرهاب في آن معاً. وهذا ما كشف حقاً عن حرب صور حقيقية تدور رحاها على شاشات التلفزة وفي متن الصحف والمجلات وبين طيّاتها، ووسط ثنايا هذه الحرب، ظهرت اللقطات المأساوية النابعة من النتائج الكارثية للعنف الأعمى، فبين صور اليوم الأمريكي الدامي التي بثت حينها وعلى مدى الأيام اللاحقة، والمشاهد التي يتم نقلها «مقنّنة» عن القتلة والجرحى والدمار ومخيمات اللاجئين في افغانستان، ثمّة حزن وأسى يصيبان المرء حيال مصير الأبرياء في كلا البلدين. لكن الفاعل ليس نفسه في حالتي العنف آنفتي الذكر، ففي الأولى هو مشتبه به والضحايا أبرياء، أما في الثانية فهو يخوض حربه مكشوفة وبكل ما أوتي من قوة وجبروت ضد عدو غير مرئي وضحاياه أبرياء ايضاً. ولعل الصورة أوضحت ذلك بشكل جليّ، حين نشاهد الآن في أفغانستان قرى ببيوتها المتواضعة وقد أزيلت من الوجود، وأخرى مهجورة إلا من حطامها وبعض أشجارها، فيما عيون الأطفال الجرحى شاخصة الى الأعلى وفيها ألف سؤال وسؤال عمّا يحدث. وإن كان أيّ منا لا يستطيع ان يمحو من مخيّلته تلك اللقطات الدراماتيكية المؤسفة قبيل انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، حيث ألقى بعض الناس بأنفسهم من الطوابق العليا أملاً ببصيص نجاة، وكان أكثرها تأثيراً حين تشبّث شخصان ببعضهما البعض قبل ان يرميا بنفسيهما الى المجهول. وبين هذا المشهد وذاك، تطورت الأمور حتى باتت الصورة مستهدفة في مغزاها ومضمونها، وباتت احد العناصر «المطلوب رأسها» لدى الإدارة الأمريكية التي تخوض حملة تدعو الى وقف بث تقارير مصوّرة على شاشات التلفزة المحلية عمن تسمّيهم الارهابيين، ووصل الأمر الى حدّ اتهام قناة فضائية عربية بأنها «تقوم بتغطيات وتبث تقارير خطيرة وغير مسئولة»، ولا سيّما حين عرضت مقابلات من افغانستان وصفتها أمريكا بأنها تحمل بعداً أمنياً وتهديداً لها. ولعل هذا ما يثير العجب والدهشة من إدارة يقوم خطابها على الدفاع عن الحرية والديمقراطية، فيما هي لا تسمح بتدفّق المعلومات وسماع الرأي الآخر ورؤية الصورة المقابلة. نفهم ان الادارة الأمريكية لديها من القدرات الهائلة على المستويات كافة بما يتيح لها تحقيق ما تريد.. لكن ألا يجدر بنا التساؤل كيف يمكن ان يتفهّم العالم ذلك، وهل يمكنه ان يتخلّى عن كل قيمه والبصم على بياض على كل ما تفعله امريكا؟! الحرب الآن مندلعة.. تحت شعار «الحرية الدائمة» وأصحابها يظهرون يومياً على شاشات التلفزة، وآلتهم الحربية تسرح في الأجواء والمحيطات والقواعد العسكرية المنتشرة في العالم، فيما صور «العدو غير المرئي» غير مرغوب فيها، وكذلك التقارير عن أعداد الضحايا الأبرياء والدمار المروّع.. انه الاحتكار بعينه! Email:Ismail-haidar@yahoo.com