رغم كل شيء تظل الكتابة من أحب الأشياء إلى نفس صاحبها، وأي توقف حتى وإن كان مؤقتا يكون بلا شك صعباً لصعوبة تهيئة النفس للعودة إلى الكتابة من جديد. هذا ما أشعر به الآن في هذه اللحظات وأنا أهم باستئناف اللقاء اليومي الجميل مع قراء هذه الزاوية وقارئاتها الذين افتقدتهم أكثر مما افتقدوني خاصة وانهم جميعاً قد غمروني بمشاعرهم الصادقة طوال غيابي عنهم لأيام مرت عليّ كأنها الدهر كله. فإلى هؤلاء أبث في هذه السطور كل شكري وامتناني وتقديري، فقد شاركوني آلامي وشاطروني أحزاني في مصاب لم يكن لأحد ان يمنعه لأنه حق محتوم على الجميع، فهو قضاء الله ولا راد لقضائه عز وجل. وأعترف انه لم يكن لنا ان نتجاوز تلك المحنة لولا الايمان العميق بالقضاء والقدر ومن ثم وقفة الاصدقاء الصادقة ومواساتهم التي كان لها بالغ الأثر في تخفيف ما ألم بنا، وأسبغت على أيامنا الحزينة مسحة الصبر والسلوان. وليسمح لي الجميع ان أخصص حيز زاوية هذا الصباح لحديث مع النفس أوجده ذلك الفراق الذي جاء بلا موعد مسبق فكان وقعه على النفس قوياً في قسوته ربما لأن البلاء كان في أعز البشر وأكثرهم حناناً، فالراحلة هي الأم التي أنجبت وربت وأعطت بلا حدود. فالأم هي ست الحبايب وأيضاً هي رمز للفطرة الانسانية في العطاء والحب والحنان وهكذا شاء لها رب العالمين ان تكون كما خصتها كل الشرائع السماوية بمكانة سامية لا يرقى إليها غيرها مهما قدم أو فعل. إن فقدان الأم يعني اليتم الحقيقي ومهما كان عمر الانسان وثقافته فإنه لابد وان يشعر بهذا اليتم الذي يسببه ذلك الحرمان الأبدي من أعظم محب وأكبر قلب وأرحب صدر.. ذلك الصدر الذي أرضعه صغيراً واحتواه بين ثنايا ضلوعه شهوراً وسنين في حنان لا مثيل له وعندما تختفي تلك اليد الحانية فإن شعورنا بالحرمان يتزايد، وهنا لا يكون أمامنا سوى الدموع لحظة الفراق والتي لا تتوقف بقية العمر لأنها تظل حبيسة تتجدد مع الذكرى التي لا يتوقف العقل مهما حاول عن اجترارها في كل لحظة. وآه من الذكريات وما أكثرها في رحلة العمر وما يتبعها من لحظات نشعر فيها بالحرمان من وجه استقبلت به حياتك منذ لحظة الميلاد وعايشته في شهور المهد واعتدته في كل سنوات العمر ورأيت في قسمات هذا الوجه وهو يشرق بالبسمة عوناً لك وسنداً في مراحل العمر. وما أصعب ان يفتقد السمع صوتاً كان يهدهدنا في الصغر ويسمعنا دعوات خالصة كل صباح بأن تصحبنا السلامة وان ترافقنا السعادة في الحل والترحال، فتبعث تلك الدعوات بنفوسنا طمأنينة وسكينة وتبث في روحنا نشوة من نوع خاص تضفي على حياتنا بهجة لا تُضاهى وفرحة لا تُحاكى. صعب بالتأكيد ان نعود النفس على التكيف مع مرحلة ما بعد فراق من أحبتهم وإليهم لطالما تاقت، وازداد اشتياقها في لحظات الغياب المؤقت فما بالنا وقد أضحى الفراق أبدياً. ولا نجد في تلك الأحوال سوى الدعاء الخالص لأمهات العالم بالصحة والعمر المديد، وطوبى لمن كان باراً بأمه. أشعر انه لو كان للحزن آخر ما بلغ حزني آخره، ولو كان للجزع والألم مدى لما بلغ جزعي وألمي على فراق الغالية مداه. فيا نفس صبراً جميلاً عسى الله ان يجمع الأحبة بعد هذا الفراق المرير، ويا قلب كن دائماً نابضاً بما تحمله من حب ووفاء، واقنعي يا نفس بأن أماً غالية هي الآن في دار خير وبقاء وإياك يا نفس والجزع فإن الجنة تحت أقدام الأمهات. Email: fadheela@albayan.co.ae