عندما تطبع الأحداث الجلل وجهها على تفاصيل الحياة اليومية تصبح كل الأشياء ذات لون واحد تقريباً، وما بين العام 90 وهذا العام تتشابه الوجوه والتصريحات والأسرار والأخبار والحرب النفسية والدعائية لأن المصدر واحد. لقد أصبح للنقطة مكان في زوايا الحياة، تلك النقطة التي رسمها العرب ونفخوا فيها من روحهم فغدت أمراً هاماً، لا يمكن التغاضي عنه، سواء كانت في علم الكتابة أو علم الحساب. ربما يتساءل أحدكم عن الرابط بين النقطة والأحداث الكبرى، وعن هذا التداخل المثير غير المبرر، فأقتبس من لغة العسكريين نقطتهم، مشيراً إلى مصطلح دائماً ما يكررونه وهو ساعة الصفر، فلكل حدث نقطة انطلاق عند أولئك الذين يرسمون هدفهم بدقة.. وإذا ما أخذنا تلك النقطة الصفر بعيداً عن روح الحدث وجدناها تكبر معنا، وتتعملق رغم تفاهتها عند الكثيرين، فالعامة تقول فلان لا يساوي صفراً، هذا من باب تحقير الشيء وعدم الالتفات إليه، ولكن هل الحقيقة تقف هنا.. لقد وقفت كثيراً عند معنى تلك النقطة وأهميتها وقوتها، خاصة هذه الأيام التي تشهد اختلالا كبيراً في الموازين الدولية وذلك من خلال ملاحظة في اعتقادي لم تكن عفوية، فقد أشار أحد الأصدقاء ونحن نتابع الحدث الأهم الذي طغى على أخبار العالم وهو ما يحدث في أفغانستان.. ماذا لو سقطت النقطة من الحرف الأول الذي يكوّن اسمك.. كيف سيتم نطق الاسم؟ قلت: سأكون طاعناً أبلغ من العمر عتياً. قال: وماذا لو سقطت النقطة عمداً من الحرف الثاني الذي يشكل اسم تلك البلاد الممزقة التي تدعى «أفغانستان»؟ قلت: حتماً ستكون «أفعى نستان»! قال صاحبي: وهي كذلك.. لقد تحولت هذه الدولة إلى أفعى مطلوب رأسها، ومطلوب تدمير جحورها العديدة! لقد أثبتت نظرية النقطة التافهة التي ابتدعها العرب صحتها في جميع المناهج والمراحل والمسافات.. في التاريخ والجغرافيا والحساب.. فمنذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي وأفغانستان تتصدر صحف وقنوات العالم، محلية كانت أو فضائية، حيث تحولت تلك الدولة القصية التي تحدها ظروف الحياة الوعرة والفقر والحاجة من دولة مجهولة لدى السواد الأعظم من سكان العالم إلى دولة معروفة.. لقد أصبحت بين ليلة وضحاها دولة تصنع الحدث وتصدره إلى العالم، وهي لا تملك حتى دقيقة فضائية واحدة أو صحيفة أو وسيلة إعلامية أو نافذة تبث من خلالها رأياً أو كلمة. لم تكن أفغانستان للكثيرين منا سوى دولة مغلقة تطاردها الصراعات التي لا تنتهي أبداً، ويغلّفها تاريخ من البطولات والأساطير بدءًا من الاسكندر الكبير الذي أسس كابول وقندهار في القرن الرابع قبل الميلاد، مروراً بالاجتياح الكبير للمغولي جنكيزخان وصراعات الاتراك والفرس والانجليز وانتهاء بالروس الذين اجتاحوها في ديسمبر من العام 79 وغادروها خائبين في فبراير 89. واليوم تعود أفغانستان إلى صورة الأحداث وشكلها من جديد، فيعرف العالم بأسره بلداً ممزقاً تحكمه حركة فقيرة في كل شيء، فبعد خروج السوفييت دخلت أفغانستان في معارك داخلية متواصلة بين فصائل المجاهدين برزت على أثرها حركة طالبان بشكل مثير، فاستولت على كابول في العام 96، لينسحب أحمد شاه مسعود بعد طرده من العاصمة فيقود المقاومة ضد طالبان.. ويصدق بالتالي قول صاحبنا بأن أفغانستان صاحبة النقطة أفعى من يحاول الاقتراب منها يتجرع سمها.. وهذا ما أكده المحللون العسكريون والخبراء الأمريكيون فهم يشيرون إلى انه ليس هناك قوات مسلحة بالمعنى الدقيق للكلمة في أفغانستان، فحركة طالبان لا تضم وحدات نظامية، وبالتالي من المستحيل كما ورد في نشرة صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، من المستحيل معرفة كيف تقاسمت مختلف الفصائل التجهيزات التي استولت عليها عند سيطرتها على كابول وحوالي 85 إلى 95 في المئة من الأراضي الأفغانية. ويشير هؤلاء إلى ان نقص المهندسين المهرة وخبراء القذائف ووجود طيارين مشكوك في ولائهم أدى إلى الحد كثيراً من خياراتهم إلا ان هناك مجموعة من الأسلحة السوفييتية تدفقت على أفغانستان خلال احتلال موسكو لها. ويقول الخبراء ان الأمر غير المؤكد هو كمية الأسلحة التي مازالت تعمل، فبالرغم من الشك في ولاء الطيارين وعدم وجود دفاعات جوية إلا ان طالبان لديها بعض من المدفعية الثقيلة. ويشير آخرون بما ان طالبان متأخرة من الناحية التقنية فيتعين عليها ان تعتمد على قوة من حولوا البلاد إلى مقبرة للكثير من الغزاة! وربما يجب على حركة طالبان ان تستفيد من سقوط النقطة فتحول أفغانستان إلى أفعى نستان هذه المرة.