احسنت السلطة الفلسطينية صنعا بتشكيل لجنة للتحقيق في الاحداث الدموية التي شهدتها غزة الاسبوع الماضي حين جرى صدام بين طلاب الجامعات وقوات الأمن الفلسطينية، وليت قيادة السلطة تمضي قدما في هذا الاجراء العقلاني باشراك ممثلين عن الفصائل الفلسطينية الميدانية في عضوية اللجنة. ان اخطر ما يمكن ان يهدد حركة النضال الوطني الفلسطيني ومستقبل المقاومة الشعبية هو ان تصاب الوحدة الوطنية الفلسطينية في مقتل، ومع عدم التقليل من انجازات الانتفاضة التي تجاوزت للتو عامها الاول، وهي انجازات عديدة، فان الانجاز الاعظم هو تبلور «لجنة القوى الوطنية والاسلامية لمتابعة الانتفاضة» كرمز لوحدة الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجهاتها الايديولوجية في مواجهة المتطلبات المصيرية للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال الاسرائيلي. لقد كانت احداث الاسبوع الماضي مؤسفة وخطيرة في آن معا: مؤسفة لانها انطوت على سفك دم فلسطيني بأيد فلسطينية .. وخطيرة لانها تنبيء بظرف قد يؤدي الى نسف الوحدة الوطنية. ولا نحتاج للبحث طويلا لادراك مدى خطورة ما جرى، فقد اعربت اسرائيل عن سرورها للصدام الذي وقع وصورته وكأنه انشقاق مصيري بين القيادة والشارع. ان للأمر وجهين: الاول يتعلق بحرية التعبير والاختلاف .. والثاني بالتوجه الاستراتيجي للعمل الوطني الفلسطيني في المرحلة الراهنة على صعيد التحرك السياسي والدبلوماسي بوجه خاص. ان المشكلة المتعلقة بحرية التعبير تتمحور حول المدى الذي يمكن ان تذهب اليه السلطة الفلسطينية ككيان حكومي واجب الاحترام ومدى احقية الشارع الفلسطيني في المعارضة، فهل كانت المظاهرة الطلابية التي خرجت الاسبوع الماضي في غزة تحديا لسلطة القيادة؟ وهل كانت القيادة محقة في قمع المظاهرة؟ وفي كل الاحوال من المسئول عن اطلاق النار الذي اودى بحياة ثلاثة اشخاص؟ اما الوجه الاستراتيجي السياسي للمسألة فانه يتصل بقضية محددة، فقد توصلت قيادة السلطة الفلسطينية الى اتفاق مع الحكومة الاسرائيلية يقضي بوقف اطلاق النار بين الجانبين، وتفيد التقارير الاخبارية بان هذا الاتفاق مرتبط بالحملة العسكرية الامريكية ضد افغانستان في اطار «مكافحة الارهاب العالمي». وسواء كان توجه السلطة على هذا النحو سليما او غير سليم فان السؤال الذي يحتاج الى اجابة ملحة هو: الى اي مدى يحق لقيادات السلطة الفلسطينية الدخول في التزامات كبيرة مع اطراف خارجية دون مشاورة قيادات الفصائل التي تقود المقاومة الشعبية ميدانيا؟ ان المسألة برمتها شأن عائلي فلسطيني، وبتشكيل لجنة للتحقيق في الامر فان السلطة الفلسطينية تكون قد احتكمت الى دواعي الحكمه والتروي. ولكي تتوصل اللجنة الى نتائج حاسمة وشاملة ومرضية للاطراف الفلسطينية كافة فان الامر يتطلب فيما يبدو توفر شرطين: أولا: توسيع اختصاصات اللجنة لتشمل الجوانب السياسية للمسألة المطروحة جنبا الى جنب مع الجوانب الامنية. ثانيا: اشراك ممثلي كافة فصائل المقاومة في عضوية اللجنة حتى يتوفر ضمان مسبق بأن النتائج التي تتوصل اليها اللجنة سوف تحظى بقبول واحترام الجميع. وفي كل الاحوال يجب الا يسمح اطلاقا بتكرار ما جرى الاسبوع الماضي مما قد يفضي بحركة النضال الفلسطيني الى طريق حرب اهلية.