لا يمكن عزل تصريحات الرئيس جورج بوش حول «الدولة الفلسطينية» عن تداعيات التطورات السياسية الأمنية التي يشهدها العالم منذ يوم 11 سبتمبر الماضي. فعلى الرغم من تأكيد المتحدث الإعلامي باسم «البيت الأبيض» الأمريكي أن تصريحات الرئيس بوش هي في سياق الموقف الأمريكي السابق بشأن الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي،وبأنها تتوافق مع ما أعلنه شارون يوم 24 سبتمبر عن إمكان القبول بدولةٍ فلسطينية، فإن توقيت تصريحات الرئيس الأمريكي هو الذي أثار ويثير الكثير من ردود الفعل الآن. فالتوقيت هو جزء من مرحلة زمنية تقوم فيها الحكومة الأمريكية بعملياتٍ عسكرية واسعة ضد أفغانستان وحركة طالبان ومجموعات أسامة بن لادن، فلا تريد أمريكا أن تكون هناك أية «معارك فرعية» تشغلها ـ أو تشد اهتمام العالم ـ عن «المعركة الرئيسية» مع أفغانستان كمرحلةٍ أولى في الحرب الأمريكية المعلنَة ضد الإرهاب الدولي. ولا شك أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتحديداً الآن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي المتفجر بقساوةٍ منذ أكثر من سنة، هو الأكثر استهدافاً في هذه المرحلة من قبل الإدارة الأمريكية لوضعه في حال «التجميد الكامل» والسير به لاحقاً من أجل توقيع اتفاقيات تضع حدّاً لاستخدام «العنف»، وتجعل من مسئولية أمريكا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية حسب اتفاقيات واي ريفر ملاحقة كلّ من يستخدم «العنف» بعد ذلك، أي بعد توقيع الاتفاقيات التي قد تنتج عن تنفيذ «تقرير ميتشل». وأعتقد أن أمريكا ستميّز في سياستها تجاه الشرق الأوسط الآن بين مرحلتين: الأولى، وهي مرحلة «تجميد الصراعات» ووقف «أشكال العنف المتبادل» بين إسرائيل والفلسطينيين. ويمكن أن يتم ذلك من خلال تنفيذ «تقرير ميتشل» الذي يبدأ بوقف «العنف» وينتهي بعودة المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين. وفي هذه المرحلة الأولى، سوف تحرص أمريكا على بقاء إسرائيل خارج التحالف الدولي الذي تعدّه واشنطن الآن، وأيضاً على إبقاء مسافة بين المواقف الأمريكية والمواقف الإسرائيلية لجهة كيفية رؤية ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية، وإلى حد ما كيفية تصنيف سوريا وحركات المقاومة ضد إسرائيل المتواجدة في فلسطين وسوريا ولبنان. وحسب تقديري، فإنّ لهذه المرحلة الأولى سمات خاصة تفرضها المصالح الأمريكية والرؤية الأمريكية للمراحل المقبلة، إضافةً إلى مراعاة واشنطن للوضعين العربي والإسلامي في إطار حربها على أفغانستان ومجموعات بن لادن. وبعد انتهاء المرحلة الأولى «أفغانستان» ستعمل واشنطن على استعادة الدور الإسرائيلي من خلال سعي أمريكا لتوقيع اتفاقاتٍ مستقبلاً بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ثم بين سوريا وإسرائيل، ثم بين لبنان وإسرائيل، وبعد هذه الاتفاقات المطلوبة أمريكياً في المراحل المقبلة، سيتمّ اعتبار أي أعمال عنف ضد إسرائيل بمثابة إرهاب دوليس تستوجب محاربته أمريكياً، إسرائيلياً وعربياً. أي سيكون المعيار لاحقاً: من مع الاتفاقات ومن ضدّها، وبالتالي تصنيف من هم ضد هذه الاتفاقات بأنّهم من «الإرهاب» المطلوب مكافحته. لذلك، أرى أن تصريحات بوش الأخيرة المؤيّدة لوجود دولة فلسطينية، وأيضاً موقفه الرافض لانتقادات شارون، وتأكيد الإدارة الأمريكية مؤخّراً على مسئولية إسرائيل المشتركة مع السلطة الفلسطينية لتثبيت وقف إطلاق النار ... كلّها بمثابّة خطوط ترسم صورة الموقف الأمريكي الآن من صراع الشرق الأوسط. لكنْ أمام هذا الموقف الأمريكي الجديد نسبياً هناك تساؤلات وعواقب: التساؤلات، هي على كيفية رؤية أمريكا للدولة الفلسطينية القادمة، هل هي فقط على المناطق الخاضعة الآن للسيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية، أم أن «الدولة الفلسطينية» ستكون على كل الضفة وغزة؟ وما هو مصير المستوطنات اليهودية في الضفة وغزة؟ وما هو الموقف الأمريكي من القدس؟ وكيف سيكون الموقف الأمريكي من مطلب حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم؟ ثم ما هي حدود سيادة الدولة الفلسطينية، ومتى وكيف سيتمّ ضمان هذه السيادة؟ فهذه هي القضايا الكبرى «النهائية» التي أفشلت قمة كامب دافيد في العام الماضي كلينتون ـ باراك ـ عرفات، فهل سيستطيع الرئيس بوش التقدّم أكثر على طريق تسويةٍ عادلة بحق الشعب الفلسطيني مع حكومة شارون المعروف بإرهابه وبرفضه لأية مطالب فلسطينية؟ وهنا تظهر العوائق، حيث تلمس الإدارة الأمريكية الآن مدى صلافة وتعنت شارون في عدم التجاوب مع مطالبها بتهدئة الجبهة مع الفلسطينيين.، إذ أن شارون يدرك أن التهدئة ثم التفاوض مع السلطة الفلسطينية يعنيان فشله الكامل في كل ما «وَعَد» به حينما اختاره الإسرائيليون رئيساً لحكومة بطشٍ وإرهاب على الفلسطينيين، ومن أجل وقف الانتفاضة وكسر عوامل قوتها واستمرارها. أما العائق الآخر أمام الموقف الأمريكي الجديد نسبياً، فهو موقف قادة الانتفاضة الفلسطينية الذين لا يجدون مصلحة فلسطينية بوقف الانتفاضة بعد الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الفلسطيني، ودون أيّ مقابل يُذكَر الآن سوى الوعد بالعودة للمفاوضات !! فما بين عائقٍ عن باطل شارون وعائقٍ حق الانتفاضة سيتحرك الموقف الأمريكي الآن ضاغطاً على الطرفين معاً، وآملاً تجميد الصراع المسلح بينهما، لتتفرغ أمريكا لأولويات المرحلة الأولى، ولكي تبني أرضاً مناسبة للمراحل اللاحقة فيما بعد، والتي ستكون منطقة الشرق الأوسط محورها الأساس. بالنسبة للانتفاضة الفلسطينية، فإن الحديث عن «الدولة الفلسطينية» هو مسألة جيدة لكن الحذر هو من أن يكون هذا الحديث كالتلويح بالجزرة قبل استخدام العصا!! ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن