لم تتضح بعد معالم التغير الذي تمر به الولايات المتحدة ويمر به الشرق العربي والاسلامي منذ الحادي عشر من سبتمبر ومنذ بدء العمليات العسكرية في افغانستان فقد تحولت الولايات المتحدة بين يوم وليلة من دولة مفتوحة المعالم والابواب، الى دولة تعيش مخاوف حقيقيه وتغلق الكثير من الابواب وتسير في طريق الحرب المفتوحة. اما العالم العربي والاسلامي فقد تعمقت فيه بين يوم وليلة حالة الانقسام وحالة التوتر حول المعلوم وحول المجهول في المرحلة الراهنة والمقبلة. ونجد ان الضحية الاولى للوضع الجديد هي سياسة الانفتاح التي اتبعتها الولايات المتحدة تجاه العالم العربي والمرتبطة بحالة الامان السائدة على مدى العقود، فتحت الرماد وفي الوسط الشعبي الامريكي هناك جرح عميق وشعور عام بعدم الامان، اما في العالم العربي والاسلامي فهناك ازمة كبيرة في تفسير الحدث، وفي التعامل معه، وفي التعمق بابعاده واثاره وفي تحديد المواقف حول افغانستان وتنظيم القاعدة. لقد وقع تداخل غريب بين مشكلات العالم العربي وطبيعة الحياة في الولايات المتحدة في هذه الكارثة الانسانية التي بدأت في الولايات المتحدة وتنتقل اليوم الى بلادنا الاسلامية، في هذا تحولت الولايات المتحدة كما تحول الشرق الاوسط نحو حالة نزاع مفتوح نشهد الآن بداياته ولكننا لن نشهد نهايته في المدى القريب. وقد يصح قول هانتجتون (المفكر السياسي الامريكي المعروف) حول صراع الحضارات. فهذا صراع اخد طابع مواجهة بين الحضارات، وهو في بعض ابعاده سوف يأخذ هذا المنحى، اذ تتواجه ابعاد من الحضارة الاسلامية مع اخرى من الحضاره الغربية، وتتواجه قيم متناقضة وقضايا مختلفة، ومواقف متباعدة في هذا يقع تصادم سوف يعيد رسم الخارطة السياسية بين الشرق والغرب. وفي ظل الصراع القائم تعمل الولايات المتحدة في المدى المنظور لانجاز ثلاثة تغيرات كبيرة في المنطقة. الاول انهاء حكم الطالبان والمرتبط ايضا بتواجد بن لادن وتياره من الافغان العرب في افغانستان، وتشمل هذه المواجهة القدرات المالية والتنظيمية المنتشرة في العالم لقطاع كبير من التيار الاكثر تشددا وتطرفا في ساحة العمل الاسلامي وسوف يتطلب هذا الوضع بناء اجماع دولي من اجل اعادة بناء وتأهيل افغانستان بعد العمليات العسكرية. ولكن الهدف الثاني الذي بدأت الولايات المتحدة بالتعامل معه فهو القضية الفلسطينية. اذ من الصعب ادانة تحالف عربي مع الولايات المتحدة بلا توجه دقيق وواضح نحو القضية المركزية التي تلعب دورها في تأجيج الوضع العربي وسوف يعبر الهدف الامريكي الجديد عن نفسه من خلال اتباع سياسة تتشدد مع تجاوزات اسرائيل. ان العمل لانجاح حالة التهدأة وافاق العودة للتفاوض ستكون اساسية للادارة الامريكية، ولكن النجاح الامريكي في هذا المجال سوف يبقى رهينة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في ظل مقاومة شارون للضغوط الامريكية. اما الهدف المركزي الثالث الذي يلي افغانستان فهو المواجهة بين العراق والولايات المتحدة. اذ من الصعب تصور نهاية للمرحلة الجديدة والحشد العسكري الامريكي في المنطقة بلا حل للمسألة العراقية حول قضية العقوبات وقضية التغير. فمدرسة بن لادن كما نعرفها الآن هي نتاج احداث حرب الخليج بل ان استمرار الوضع المأساوي في العراق قد ساهم في تعزيز العداء الشعبي العربي للسياسة الامريكية. وبينما يستمر التجاذب الامريكي حول طريقة التعامل مع المسألة العراقية في المرحلة المقبلة، الا ان النجاح في التعامل مع العراق سوف يرتبط بمدى النجاح الامريكي في افغانستان وبمدى النجاح في المسألة الفلسطينية. ان التحول نحو العراق سوف يعني التعامل معه كما جرى التعامل مع يوغسلافيا، وهذا سوف يتضمن دفعا قويا لقوى المعارضة العراقية في الخارج، ومحاولة لابراز دور لقوى المعارضة العراقية الموجودة في داخل العراق. حالة جديدة بدأت في العالم الاسلامي وفي الولايات المتحدة. ففي الغرب لم يتوقف التاريخ، وفي الشرق لم يتوقف التاريخ، فمع كل تاريخ هناك تاريخ جديد، ومع كل نهاية حرب هناك بدايات التجميع لحرب جديدة. حالة الشرق الراهنة هي حالة ولادة وسيلتها عنف وحروب وتوتر. هذه الحالة قد تأتي بوضع مشوه، وبحروب جديدة، وبآلام جديدة، ولكنها قد تأتي بنهاية للحروب الساخنة والباردة التي يعيشها العالم العربي منذ عقود بين اكثر من احتمال واكثر من مستقبل، يسير التاريخ الجديد بسرعة لم نعهدها. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت