عندما شاهدت شعوب العالم ما يحدث في قلب الولايات المتحدة عبر شاشات التليفزيون وكأنها تشاهد آخر عمل من أعمال السينما الأمريكية «الهوليوودية» لم يكن هناك شك في أن أي نداء يمكن أن يوجهه البيت الأبيض, لمد يد المساعدة له في محنته التي كشفت له إلى أي مدى يمكن «لعقرب أن تقتل فيلا» كما هو الحال لمن قاموا بتلك الأعمال، سوف يجد استجابة سريعة، لكن خلال اللحظات الأولى التي أعقبت الهجوم المدمر لم تكن الدلائل تشير إلى أنه تم التعرف على الفاعل، لذلك لم يكن الكلام حول الدعم الكامل للولايات المتحدة يعني شيئا حقيقيا. لذلك كان التجاوب «العاطفي» مع واشنطون في البداية شاملا، وبشكل خاص في منظومة حلفاء الولايات المتحدة في الغرب، وبدا أنه من الممكن البدء على الفور بعمليات عسكرية انتقامية «لتأديب الإرهابيين» الذين تجرأوا على تدمير رمز الرأسمالية العالمية، وكان هذا واضحا في التصريحات الأولى للرئيس الأمريكي جورج بوش «الابن» الذي وجد نفسه فجأة أمام أكبر تحد يواجه بلاده في وقت لم ينعم فيه بعد بالجلوس للتأمل في المكتب البيضاوي بحثا عن ذلك «العدو الخفي». لكن بعد أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية اتهام «بن لادن والإرهاب الإسلامي» بأنه الفاعل دون تقديم أدلة ملموسة على تلك الاتهامات، وجدنا أن التأييد الغربي الذي اتخذ طابع «الحماسة العاطفية» الذي ينتج عن حالة انفعالية طارئة بدأ في الخفوت، وبدأ المتحمسون يتحسسون مواقع أقدامهم ويضعون شروطا لدعمهم لأي عمل تقوم به الولايات المتحدة ضد من تجرأوا على اختراق «الثقة العمياء» في القوة الأمريكية، حيث أعلن بعض المؤيدين من الحلفاء انهم يشترطون أولا التعرف على الجناة بوضوح، وأن تكون الأدلة دامغة ولا تقبل التأويل، ثم تجرأوا على الإشارة إلى أن أي عمل عسكري ردا على تدمير الرمز الرأسمالي العالمي يجب أن يتم تحت مظلة «الأمم المتحدة»! دعم مشروط أمام هذه الشروط وجدت الولايات المتحدة أنها في موقف لا تحسد عليه، حيث لم يكن هناك من دعم غير مشروط سوى من جانب بريطانيا، وهو دعم أولا وأخيرا غير مشروط تحت أي ظرف من الظروف وفي أي وقت، لأن بريطانيا تعتبر الولايات المتحدة ابنتها الشرعية، ووريثتها الاستعمارية التي ترى فيها ماضيها الاستعماري الغابر. أمام هذه الصورة القاتمة التي يمكن أن تعطل أي عمل لاستعادة «الكرامة الجريحة» قررت السلطات الأمريكية أن تنفض الغبار عن دفاترها القديمة، وأن تراجع مواقفها بحثا عن أسباب تجعلها تدفع من تراجعوا عن دعمها إلى التخلي عن شروطهم، فكان تطبيق مقولة «سيف المعز وذهبه»، إلا أن تطبيق هذا الشعار اقتصر على دول من خارج التحالف الغربي، حيث قررت بعض الدول المغلوبة على أمرها، أو تلك المغضوب عليها انتهاز الفرصة في استمالة القطب الأوحد في النظام العالمي القائم، وقبول المشاركة في تحالف دولي ضد «إرهاب» لا يعرف أحد من هو ولا أين يوجد، ولذلك لم يكن أمامهم سوى تنفيذ ما تطلبه الولايات المتحدة مقابل حفنة من الدولارات، أو مقابل إخراجهم من «قوائم الإرهاب» السوداء التي يعدها «البنتاجون» كل عام. أمام التقدم الملموس تجاه الحصول على دعم تلك الدول نتيجة الضغوط والتهديدات، وجدت الدول الغربية التي وضعت شروطا أمام مشاركتها في دعم أي عمل عسكري لحليفها الأمريكي أن «ذهب أمريكا وسيفها» قد بدأ في إفساح الطريق لتنفيذ ما تم التخطيط له دون حاجة إليهم، لأن دعمهم في النهاية ليس سوى طريقة لإضفاء الشرعية على أي عمل عسكري، حينها تقرر على استحياء مشاركة الولايات المتحدة، لأن ما تم التخطيط له في البيت الأبيض سيتم تنفيذه بهم أو بغيرهم، وكان عليهم اختيار المشاركة. إلا أن اختيار بعض الحلفاء الغربيين الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة والانضمام إلى التحالف لم يكن خاليا من انتهازية حقيقية، بل أن بعضهم وجد في ذلك التحالف خلاصا شخصيا له من مشاكل يواجهها في بلاده، وليس هناك أفضل من التلويح بخطورة «أزمة دولية» لها تأثيرها الكبير في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية للهروب من أزمات ومشاكل تهدد وجوده السياسي. من هنا بدأت المصالح الخاصة لكل دولة، بل والشخصية لبعض المتربعين على سدة الحكم تلعب دورها في جر الدول الغربية إلى قبول مطالب الولايات المتحدة والتخلي عن الشروط التي وضعتها من قبل. مصائب قوم ..! أول من وجدوا في تلك الأزمة خلاصه الخاص كان رئيس الوزراء الأسباني خوسيه ماريا ازنار، الذي قفز إلى قطار التحالف الأمريكي دون أن يدعوه أحد، متعللا بأن بلاده عاشت وتعيش «إرهاب منظمة ايتا الانفصالية» وان هذه فرصة لاستخدام هذا التحالف الدولي الجديد لقطع خطوط الاتصالات بين المنظمة مع غيرها من المنظمات المماثلة في العالم. لكن الحقيقة التي حاول أن يخفيها رئيس الوزراء الأسباني، أن حكومته وحزبه «الحاكم» يعيشان أخطر أزمة داخلية تتعلق بعمليات فساد مالي متورط فيها نائبه الثاني للشئون الاقتصادية أحد المرشحين لخلافته «رودريجو راتو»، إضافة إلى واحد وزرائه المقربين، وهو تورط لا يهدد الحكومة الحالية وعلى المدى القصير فقط، ويمكن حله بعملية تجميل عبر إقالتهما وتعيين آخرين في المنصبين الشاغرين، بل ستكون له آثاره المدمرة على المستقبل السياسي لهذا الحزب الذي «غزا قلوب الجماهير باسم النزاهة والشرف وطهارة اليد»، إضافة إلى أن مثل هذه العملية التجميلية لها خطورتها وغير مطلوبة في الوقت الراهن، لأن الحكومة الأسبانية قد تواجه لطمة قاسية في فترة حرجة، حيث كان عليها أن تعد لفترة رئاستها لدول الاتحاد الأوروبي التي تبدأ في يناير المقبل، وإذا بها تجد نفسها محاصرة بعملية فساد مالي واسعة النطاق، لم تؤثر في أعضاء الحكومة فقط، بل امتدت لتشمل الاقتصاد الأسباني نفسه بعد أن ثبت تورط الهيئة المكلفة بمراقبة أعمال البورصة المالية في هذه العملية التي ضاع بسببها ما يزيد على 18 مليار بيزيتة، وتسببت في فقدان الثقة في المؤسسات المالية العاملة في بورصة الأوراق المالية. من هنا كان على رئيس الوزراء الأسباني أن يتعلق بأهداب الأزمة الناتجة عن ضرب المركز التجاري العالمي ومبنى البنتاجون في نيويورك وواشنطون، وأن يحاول استخدام تلك الأزمة كطوق نجاة لحكومته من خلال التشدق بدور دولي يمكن أن تلعبه بلاده فيغطي على فساد سياسات حكومته الداخلية. ووصل الأمر إلى حد الزج باسم نائب رئيس الوزراء المتورط في عملية «خيسكارتيرا» في أي عمل يتعلق بالتحالف «الأمريكي» ضد الإرهاب تقوم به الحكومة الأسبانية دون أن يكون هناك وجود فعلي لذلك النائب، وربما كان بيان الحكومة الأسبانية الصادر فور عقد اجتماع لما أسمته «خلية الأزمة» بعد بدء العمليات الأمريكية لضرب أفغانستان دليلا على ذلك، فقد أكد بيان المتحدث الرسمي أن «ردوريجو راتو» شارك في اجتماع الأزمة، بينما جاءت المشاهد التليفزيونية والصور الصحافية لذلك الاجتماع «تكذيبا» لهذا البيان، حيث لم يكن هناك وجود لشخص نائب رئيس الوزراء في أي من الصور التي تم التقاطها للاجتماع، مما فسره البعض على أنها محاولة لتجميل صورة نائب رئيس الوزراء. الأمر نفسه ينطبق على رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرليسكوني الذي كان في الأسابيع الأخيرة يخوض معركة شخصية تتعلق بذمته المالية أيضا، واندلعت الأزمة الأمريكية حين كان يحاول حزبه تمرير قانونا خاصا يضمن من خلاله وقف التحقيقات الجارية حول عمليات فساد مالي تورطت فيها إمبراطوريته المالية الضخمة، وقرر سيلفيو برليسكوني استغلال الأزمة لنشر ستار من الدخان على ما يحيط بشخصه من فساد مالي، وزاد على ما حققته الأزمة من لغط ابعد الأنظار عن ما يجري «طبخه» في البرلمان الإيطالي، وصب على نار الأزمة الأمريكية مزيدا من الزيت من خلال تصريحاته العنصرية حول تفوق «الحضارة المسيحية» على «الحضارة الإسلامية»، وهي تصريحات في الحقيقة لا تعكس فقط ما يفكر فيه بيرليسكوني، بل تعكس تفكير معظم السياسيين في أوروبا الغربية، الذين يؤمنون إيمانا قاطعا بتفوق الغرب على العالم الإسلامي بسبب ما يعتقدونه من تفوق الحضارة المسيحية على الحضارة العربية الإسلامية. واعتذار برليسكوني عن تصريحاته لم يكن تراجعا عن أفكاره «الحقيقية» بقدر ما كان محاولة لإثارة مزيد من الضوضاء التي تغطي على تمرير القانون الذي يوقف تعقب القضاة له، لأنه كذب في اعتذاره على العرب وعلى المسلمين، حيث قال أن كلامه تم اقتطاعه من «النص» مما جعله يحمل معاني العداء للمسلمين، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق، لأن من سمع كلامه أو قرأه سواء داخل النص أو خارجه يجد انه واضح وضوح الشمس، ولا يقول سوى ما يفهمه من يقرأ النص كاملا أو جزءا منه. وكلام بيرليسكوني لم يصدر وحده في هذا الاتجاه بل جاءت تصريحاته متوافقة مع ما قاله في الوقت نفسه المتحدث الرسمي للفاتيكان الذي يعتبر برليسكوني من أنصاره المتحمسين حاملا المعنى نفسه، وهو كلام يتواءم تماما مع تأكيدات الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال خطاباته الأولى على أن هذه الحرب هي «حرب صليبية» موجهة ضد الإرهاب الإسلامي.! بل وتتطابق مع التسمية الأولى التي أطلقها بوش على تحالفه «العدالة المطلقة» التي تؤكد على معنى التفوق على من يوجه إليهم حملته العسكرية، فقد اعتقد بوش انه يمكنه أن يطبق في الأرض العدالة المطلقة. لكن عقبة وجود دول عربية وإسلامية دون بوش وتحقيق مخططه ضد من يتهمهم بالإرهاب دفعت معاونيه إلى تنبيهه إلى انه تجاوز حدوده في التعامل مع العرب والمسلمين، وبناء عليه تقرر تغيير اسم التحالف إلى «الحرية الأبدية»، وهي تسمية لا تقل غطرسة واعتقادا في انه يمكنه أن يحقق ما يفوق طاقة البشر. لو وجهنا أنظارنا إلى باقي دول التحالف «الأمريكي» لوجدنا أن كل حكام أوروبا الغربية «الديمقراطيين» متورطون في فضائح تزكم الأنوف، فالرئيس الفرنسي جاك شيراك يعيش الموقف نفسه الذي يعيشه كل من رئيس الوزراء الأسباني ورئيس الوزراء الإيطالي، فالرئيس شيراك يعيش أيضا حالة مماثلة من قضايا الفساد، بعد أن أثبتت التحقيقات أن فترة وجوده على رأس بلدية باريس كانت مليئة بالفساد المالي مما يهدد فرصته وفرص حزبه في الفوز في الانتخابات العامة القادمة. ربما يختلف الأمر مع ألمانيا، حيث وجد مستشارها شرويدر الفرصة سانحة لبسط مزيد من النفوذ الألماني داخل الاتحاد الأوروبي وتحطيم «التابو» المفروض على مشاركة عسكرية ألمانية في أي حرب منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية و«اذلالها» على أيدي الحلفاء. لو نظرنا خارج دول الغرب الحليف الطبيعي للولايات المتحدة وتوجهنا إلى الشمال الأوروبي، فإننا سنجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد حطف بصره «بريق الذهب الأمريكي» أولا، لأنه في حاجة إلى الدعم المالي الذي يمكن أن تضخه الشركات الأمريكية في اقتصاد بلاده المنهار، وأيضا أحد الانتهازيين الذين قرروا تحقيق مكاسب على حساب «نزيف الكرامة الأمريكي»، لأنه يعرف أن الولايات المتحدة على استعداد لإطلاق يده بلا حدود في الشيشان ليعيث فيها فسادا وتدميرا بلا رقيب، لأنه قبل أن يعلن تأييده للموقف الأمريكي حرص على ربط العمليات الفدائية التي يقوم بها مقاتلو الشيشان بأسامة بن لادن، ووصف من يقاتلون من اجل تحرير الشيشان من الاحتلال الروسي بـ «الإرهابيين»، وبما أن الولايات المتحدة لم يبق لها من طريق آخر لاستعادة كرامتها فقد قبلت التأييد الروسي دون أن تشير إلى الإرهاب الذي يقوم به الجيش الروسي في الشيشان وغيرها من الدول المجاورة، بل وغضت الطرف عن الفساد المالي الذي لا تخلو منه إدارة من إدارات حكومة بوتين. لكن يبقى سؤال مهم لا بد من التأمل فيه: هل يستمر دعم تلك الدول للتحالف «الأمريكي» طويلا حتى لو كان «مشروطا»، أم أنها ستغادر ذلك التحالف واحدة وراء الأخرى بمجرد أن تبدأ الولايات المتحدة في توسيع نطاق عملياتها العسكرية ضد دول أخرى غير أفغانستان تحت تأثير «غطرسة» قوتها العسكرية الجبارة مما يهدد مصالح الحلفاء والتابعين على المدى البعيد في مناطق أخرى من العالم؟. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا