هل حدث الذي يحدث من قبل؟! نعم، في التاريخ والجغرافيا والثقافات قامت حروب بشعة وغير عادلة. نعم ذابت أحقاب وأجناس وسقطت امم لا تقهر وحضارات عريقة. لكن الذي لم يحدث من قبل ان عاشت البشرية لحظات الانهيار ولحظات الحرب والموت، أن شاهدت كيف يتغير العالم امامها، كل حدث وتغيير تراه مباشرة، لا ينتظر حتى يكتمل ويرسم ويضاف عليه أو ينقص منه. فيوم الثلاثاء وفي التوقيت الذي انهز فيه عرش ومجد أعظم واكبر حضارة عرفها التاريخ الحديث، كانت كل عيون سكان العالم معلقة هناك، تتابع الزلزال وهو يحدث كأنها فيه، وكأنه قربها لا يفصله عنها سوى صوت المذياع عبر الاثير أو بعد الشاشة الملونة. فهكذا كان حال العالم يوم 11 سبتمبر في العام الاول من القرن الجديد، تساوى الجميع في حقوق المتابعة والمعرفة، ذلك الرجل المتحضر الذي يسكن ناطحات السحب بمدن الرفاه وراعي الغنم في اطراف القرى النائية وساكن كهوف قندهار، الذين يعيشون في آخر الدنيا كالذين يسكنون في مقدمتها. العالم الاول والثاني والثالث جميعهم يسمعون صوت الانفجار والانهيار ويشاهدون ذات الصورة. وهي حالة غير قابلة للتضليل والتزوير والكذب، انها حيّة. وهكذا كانت الايام التي تلت الثلاثاء، فكل ما يصدر في أي بقعة من الارض تعليقاً أو حدثاً ينقل في لحظته. وجاء يوم الاحد الماضي فاجتمع سكان الارض من جديد في توقيت واحد ليتابعوا الصورة من بقعة اخرى، هذه المرة ليشاهدوا لحظات الحرب على افغانستان. مكان مختلف ومتخلف تسكنه الاشباح والجوع والخوف. الخوف الساكن فيه والمنبعث منه وايضا الذي ينتشر في شعوب العالم على حال أهل هذا البلد. وليس اصدق من الصورة هنا ايضا دلالة، انها سوداء، لانها حرب ليل دامس السواد، ولانها في بلد مظلم لا يرى فيه سوى الدمار والحطام. وايضا لاول مرة في التاريخ تعرف الشعوب ما يحدث لحظة حدوثه، ويتساوى في المعرفة انسان الشارع البسيط مع وزير أو رئيس دولة، بل قد يعرف هذا الانسان بالواقعة قبل المسئول الكبير. فحق المعرفة بالحدث في لحظته اصبح مشاعاً للجميع. لاول مرة ايضا يحدث ان يخرج الصوت الاخر ويسمعه جميع العالم، ففي حالات الحرب تكون هناك رواية واحدة وصورة واحدة، ولا يسمح (للعدو) ان يقول، وان يُنقل ما يقوله، فالدعاية سلاح في يد القوي الذي يقود الحرب، والمحارب يمارس عليه التضليل والتعتيم والاشاعات، فهذه بعض المفردات الاولى للحرب. وتمثلت (معجزة) الاعلام في انه اسمع صوت وصورة الطرف الآخر، رغم انه محاصر من كل الجهات وان السماء والارض مغلقتان عليه، لا اتصالات وامدادات واقمار التجسس التي يزيد عددها على اقمار السماوات الحقيقية تلف الفضاء بحثا عن اشارة أو نملة على سفح جبل تدل عليه. رغم ذلك خرج وشاهده العالم بما فيهم الدول التي تحاربه وتبحث عنه حياً أو ميتاً، كل ذلك ما كان ليحدث لولا الاعلام، وعصر الاعلام. «الجزيرة» .. والغيرة لأول مرة ايضاً في التاريخ يكون احد اقطاب حدث عالمي فريد مثل هذه الحرب، يكون عربيا. فلم يحدث ان لعبت أية وسيلة اعلامية عربية دوراً رئيساً وان تكون صانعة بدل مستقبلة ومكررة، مثلما هو اليوم دور قناة «الجزيرة». إنها أحد ابطال هذه الحرب، فهي القناة الوحيدة التي دخلت ونقلت من كابول ومن ارض المعركة مباشرة، وهي ايضا الوحيدة التي تجرأت وتخطت كل المحاذير والخطوط الحمراء وبثت على الهواء حديثا لابن لادن وبعض رجاله في أدق واصعب توقيت وهي لحظة بدء الحرب. مغامرة خطيرة ما كانت لتقوم بها أية وسيلة اخرى ولو كانت من الامبراطوريات الاعلامية الضخمة في البلدان التي لا سقف عندها لمعنى الحرية، وطبعاً ما كانت لتفكر بها اية وسيلة عربية حتى ولو في (الاحلام)! لأول مرة يحدث ان تتنازل محطة مثل C.N.N وتنقل حدثا عن محطة عربية وان تكون لها اكثر من رسالة وفي اكثر من يوم نقلاً عن الجزيرة. ثورة اعلامية ان تقود وسيلة اعلام عربية كل وسائل اعلام العالم، وان تكون أول من ينقل الحدث، هذا الانجاز الذي حققته الجزيرة لاشك انه ولد وسيولد غيرة عند الاخرين، وأول هؤلاء الاعلام العالمي الغربي الذي تعود ان يكون هو السيد والصانع والموجه، انهم لا يرضون التنازل والخسارة، لا يرضون الا ان تكون لهم القيادة والريادة. فبدأت حملة تشويه، مفرداتها ان هذه القناة غير عادلة في تغطيتها وانها تروج (للعدو) وتخلق بلبلة وتحرض... الخ من اتهامات واوصاف يعلمون انها غير دقيقة في عملية صناعة الاعلام وفي مفهوم الحيادية. قد يكون درس الجزيرة مهما لنا في ان يكسر عندنا نحن العرب عقدة التبعية والدونية التي تلازمنا منذ زمن طويل، فالتميز يحتاج الى امكانات وقدرات، لكنه يحتاج ايضاً وهذا الاهم الى مبادرات وافكار وبرامج وخطط والى الاستفادة من الفرص وصناعة الحدث والاصرار على النجاح. نحتاج درس «الجزيرة» خصوصاً في اعلامنا العربي.. وفي حالنا العربي عموماً. email: shmitrif@Hotmail.com