لو حسبنا كم من الوقت نمضيه في الثرثرة لادركنا ان نصف أعمارنا يذهب سدى في أحاديث لا طائل منها. ولو أجرينا جرداً لنوعية تلك الأحاديث لوجدناها تشبه (قولاً على قول) والادلة على وجهة نظرنا واضحة، حيث لا تخلو جلسة عائلية أو رومانسية أو عملية أو مجاملاتية من (قول على قول). وهي بكل الاحوال لا تخرج عن نطاق التعليق على ما يحدث مؤخراً في العالم، فالزوجة في مساء عائلي تقول لزوجها: انت تعاملني بطريقة ارهابية فيندهش الزوج ويسأل: كيف ذلك وأنا ألبي جميع طلباتك!؟ فتقول الزوجة بكل برود: انت ترهبني بنظراتك وبحركاتك، وأشعر بالخوف خلال وجودك لأنك ستسألني ماذا فعلت بمصروف الشهر وأين ذهبت اليوم، ولماذا لم تضعي العصير في الثلاجة، ثم ستأمرني ان اضع لك العشاء وتطلب مني بعدها ان اصنع لك مشروباً ساخناً ممزوجاً بالزنجبيل حتى تطرد غازاتك، ألا تسمي هذا ارهاباً؟ فيرد الزوج المسكين: أنت تفعلين ذلك منذ عشرين سنة ولم تتذمري يوماً، ولكن اذا رأيت ان الأمر لم يعد محتملاً يمكنك الاتصال بجورج بوش! وقد يمضي الزوجان سنوات اخرى في هذا الحديث البيزنطي تأثراً بمجريات الاحداث الدائرة في العالم دون ان يدركا كم من الوقت الذي يذهب هباءً في قول على قول! ولن يكون الامر احسن حالاً في مقهى ناعم شبه مظلم وحول طاولة صغيرة تنيرها شمعة حيث يجلس عاشقان وقد تقطعت بهما سبل الغرام يتبادلان الطف التعليقات على ما يجري من الاحداث، على شاكلة: عيناك صاروخان يد كان مخابيء قلبي، فترد العاشقة: صوتك الجذاب كأنه ازيز طائرة حربية تمر فوق بيتنا، وحين يشتد بهما الوجد سيلمس العاشق اطراف اصابعها وهو يقول: عندما تغيبين عني احتاج الى مساعدات انسانية عاجلة تنقذني من التضور جوعاً على حدود بيتك. فترد عليه العاشقة الولهانة: سأرسل لك سبعة عشر طناً من القبل ممزوجة بدقيق الآهات واغطية الحسرات على جناح السرعات لتعيش اسبوعاً في سبات ونبات. ولن يستيقظ العاشقان من غرامهما الا على صوت تنحنحات النادل الذي ينتظر منذ ساعات مغادرتهما ليغلق مقهاه او لينهي يوماً آخر من الغرام البيزنطي. ولن يختلف الامر كثيراً في موقع آخر عندما يركن موظف الشباك جميع الملفات التي يراجعها ليفتح حواراً مع موظف آخر حول الهجوم الذي يقوم به الناس على شباكه منذ الصباح دون ان يرحموا وقته الثمين في الادلاء بدلوه مع من حوله بشأن الاحداث الجارية الان وستطول حواراته المتشعبة مع جميع الاطراف قبل ان تدق الساعة الثالثة، فيغلق شباكه ويطلب من جمهوره الكبير العودة غداً. ولعل الثرثرة فيما يجري اليوم ستكون فاتحة الأحاديث وليس خاتمتها سيظل الناس يسرفون اعمارهم في اللغو والتعليقات على ما يجري متناسين ان عمراً كبيراً ووقتاً ذهبياً يمضيان الى غير رجعة لا يستفاد منهما سوى (قول على قول) حتى تحول البعض الى اذاعات متنقلة لرصد الاخبار ونقلها، ترى لو امضى المرء جزءاً يسيراً من جدله البيزنطي في تعلم شيء مفيد أو في قراءة كتاب جديد أليس أفضل من الاستماع الى الآخر والتعليق على كلامه في شئون لا طائل منها. انها مجرد رغبة لاستثمار الوقت بشكل أفضل بدلاً من تمضية العمر وكأن الحياة وقت فراغ نملؤها بجدل بيزنطي يشبه قول على قول. E.MAIL:H-S-D@MaktooB.com