سابقاً كنا نردد «كلنا في الهم شرق!» هكذا كان ساكنو الرقعة العربية يرددون هذا القول وكأنه رابطة دم حارة، فالشرق شريان متفجر بالازمات دائما ومنذ زمن طويل، يدفع ساكنوه ثمناً باهظاً لمجرد أنهم منتمون إليه قدراً وتاريخاً وعقيدة! فيما بعد صار هذا الشرق تهمة مسافرة في ملامحنا وألسنتنا وجوازات اسفارنا وحقائبنا عبر مطارات العالم، صار رعبنا الساكن فينا حتى النخاع، صار ارهاباً ألبسونا صفته وتبعاته فتلبسناه باستكانة لاننا بلا حول ولا قوة، حتى غدا كابوسنا اليومي وشغلنا الشاغل الذي يجعل رغبتنا الاكيدة في الذهاب الى الامام مرهونة به وبيد الآخرين الذين يريدون لنا ان نتلاشى في الخلف والتخلف والخلاف حتى الأبد! هل نحن ارهابيون فعلاً كما يتحدث العالم عنا ويصر على ذلك؟ ربما كان من الافضل ان نطرح السؤال على هذا النحو: لماذا صار الشرق العربي تحديداً هو المنطقة الأكثر غلياناً في العالم؟ لماذا صار بؤرة المشاكل ومعقلاً لما يسمى بالارهاب والارهابيين؟ لماذا صارت الاسماء والوجوه العربية تتصدر قوائم الشر والارهاب والمطلوبين للعدالة الدولية، لماذا صارت اسماؤنا وملامحنا وهوياتنا العربية خبز الصحافة المسمومة، ومرمى السهام القاتلة وهدفاً للسخريات والملاحقة والتشويه؟! لمصلحة من يحدث كل هذا الذي نتابعه ببلاهة وكأنه قصيدة مديح تقال في حقنا، ونبحلق في شاشات التلفزة بحثا عنه من خلال خبر عاجل أو مباشر، أو مذيع متجهم الملامح يظهر فجأة معلناً بعبارة سمجة: لقد جاءنا في التو...!! أين الخلل؟ هل هو في الانسان السائر على رمال شرق المتوسط والصحراء الحارقة حاملاً في قلبه وعلى أكتافه ميراث قرون من التهميش والقمع والتسلط والجهل؟ ام فيما تفجر لدينا من ثروات هائلة تحرك عجلة اقتصاد الغرب وتضخ الحياة في عروق حضارته، ما ادى لتحريك الاحقاد والمؤامرات وثارات الحروب الصليبية القديمة؟! ام ان الخلل في كل البناء القائم في الجغرافيا والتاريخ والسياسة العربية والشرق اوسطية؟ وما بين حرب الخليج الثانية عام 1990، وحرب الارهاب عام 2001 هناك عشر سنوات، يعيد التاريخ فيها نفسه بشكل درامي واضح، دون ان نتعظ أو حتى نقرأ خرائط الرمال جيداً، نحن لم نراجع شيئاً مما قاد لمهزلة الحرب العبثية الاولى فكان ان اغرقتنا الغفلة في حرب أشد شراسة وعبثا وأقل عدالة مما تتحدث عنه الدول العظمى! وها نحن ندفع الثمن مضاعفاً هذه المرة وأكثر قسوة.. والقضية ـ حتى لا يفهم البعض خطأ ـ لا تنحصر في دفع الاموال فقط.. لان المسألة أكبر وابعد واشد كارثية من ذلك.. فنحن ندفع ونخسر والبشرية تخسر ايضا جراء ما يحدث، واول ما نخسره جميعاً حقوق الانسان، وحريته وكرامته ومنجزاته. اين الارهاب بالضبط؟ وما هو الارهاب تحديداً؟ ومن هم الارهابيون؟ ومن اين يتناسلون كالخفافيش؟ ومن يتكفل بهم ويكفل استمرارهم وبقاءهم؟ اسئلة ليس لها اجابات محددة، وقاطعة، فالأمور نسبية تماماً، وقابلة للتأويل والخلاف، لكن المؤكد والقاطع ـ حسب ما نعتقد ـ هو ان الارهاب شر كله.. والارهابيون هم اعداء الحياة.. لكن هذا الارهاب نتيجة وليس سبباً ابداً، فلتبحث البشرية عن السبب اولاً ولتحاربه فذلك هو الأهم وهو المطلب الحقيقي للجميع. Aisha@albayan.co.ae