حين قال الشاعر العربي ابو تمام ذلك البيت من الشعر الذي احفظه منذ عهد الطفولة وهو: قد ينعم الله بالبلوى وان عظمت ويبتلي الله بعض الناس بالنعم فقد كان يستلهم هذه المعاني الجليلة من كتاب الله القرآن ومن الآية الكريمة: «عسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون .. صدق الله العظيم. وبالفعل فان ما جرى يوم 11 سبتبمر بكل من نيويورك وواشنطن يشكل محنة عسيرة للعرب وللمسلمين، ابتلانا الله سبحانه بها، فتعامل معها زعماء العرب بحكمة وبصيرة، مما جعلهم يرصون الصفوف حول منظومة عربية جديدة ومباركة من الاتحاد في الشدائد والتخطيط في الملمات واجهاض ما يعد لنا من مؤامرات، فقد جاءت اصوات القادة في معظمهم اصوات حق وصدق لوضع الامور في نصابها ورفض الانخراط في عملية حربية امريكية غير محسوبة العواقب ومنطلقاتها الشرعية والقانونية ضعيفة واسانيدها الثبوتية هزيلة. وقد جاءت مواقف مشرفة من مصر على لسان رئيسها ومن سلطنة عمان على لسان وزير خارجيتها، ومن دولة قطر على لسان اميرها في زيارته المشهودة الى الولايات المتحدة الامريكية، ومن دولة الامارات على لسان رئيسها صاحب السمو الشيخ زايد، وهي مواقف اتسمت بالرصانة وهدوء الاعصاب وبعد النظر، وقد اتفقت هذه المواقف الحكيمة رغم بعض الجزئيات في اختلاف التعبير على حد ادنى من الاعتداد بالنفس والثقة بالشعوب العربية والايمان بأن العرب انما هم ضحايا عدوان صهيوني مستمر ومتوحش، شاءت الاقدار ان يضرب يوميا شعبا عربيا من شعوبنا في فلسطين المجاهدة، فيشكل عدوانا ارهابيا وحشيا على المقدسات الاسلامية والمسيحية على السواء، ويقتل الابرياء ويروع الآمنين ويغتال الزعماء ويقتلع اشجار الزيتون والرمان والتين التي باركها الله في القرآن، ويهدم بيوت الناس ويجرفها بغير حق. فقد جاءت مواقف القادة جامعة بين الحزم وانارة الرأي العام العالمي، الحزم في رفض السيناريو الجاهز وهو سيناريو اسرائيلي في الاصل، شرع يروجه شارون منذ اللحظات الاولى للهجوم الارهابي على البرجين التوأمين ومقر البنتاجون، من خلال اعلام صهيوني مضلل ومدروس واعلام يميني غربي متطرف، كان حزم الزعماء العرب في الحقيقة معاكسا للتيار الامريكي السياسي الذي رد الفعل باعصاب حارة مستفزة في الاسبوع الاول الذي تلا الهجوم. واعلن القادة العرب جميعا باننا ـ نحن العرب ـ ضد الارهاب ولا نجيزه بل نرفضه وندينه حين يقتل الابرياء، وبأن ديننا الحنيف ينهانا عن حل دم من يقاتلنا ودم الزارع في زرعه ودم الناسك في صموعته والمرأة في بيتها الى آخر نصحية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجيشه الفاتح. وكان موقف القادة واضحا في الدفاع الحاسم والاصيل عن المقاومة الفلسطينية وفصائلها جميعا لانها تدافع عن حقوق اقرتها لشعب فلسطين منظمة الامم المتحدة، وكذلك عن حقوق المقاومة اللبنانية وبخاصة حزب الله ضد المحتل لاراضي لبنان. فتدعمت بمواقفهم الحكيمة عقيدة عربية نريدها عالمية، وهي عقيدة التفريق بين الارهاب والمقاومة واعتبار المقاومين مجاهدين علينا ازاءهم واجب الدعم والمساندة والمؤازرة. اما الكسب الاكبر الذي حققه زعماؤنا حفظهم الله فهو الخطوات الكبيرة التي قطعناها بفضل تلك المواقف في اقصاء اسرائيل من اغتنام ما يسمى التحالف وعودة الوعي .. او بعض الوعي للادارة الامريكية وللرأي العام الغربي بضرورة ايجاد حل عادل لقضية فلسطين. فكان ان صدرت عن الرئيس بوش تصريحات الخميس الماضي بامكانية الاعتراف بدولة فلسطينية ثم الضغوط التي مارسها البيت الابيض على حكومة اسرائيل حتى تخفف من عدوانها، بالرغم من ان شارون مضى قدما في التقتيل والتدمير بل انه اعلن العصيان على اسياده الامريكان حين شبه واشنطن ببرلين النازية وشبه اسرائيل بتشيكوسلوفاكيا عام 1938 حين قال: انه من الخطأ التضحية باسرائيل لارضاء العرب كما ضحى الحلفاء ببراغ قبيل اشتعال الحرب العالمية الثانية .. وكان ان غضب الرئيس بوش من هذه المقارنة المتهورة وكلف وزير خارجيته كولن باول بان يفرك اذني شارون. اما على صعيد الرأي العام الغربي، فقد ثاب الرشد لعدد كبير من اجهزة الاعلام الامريكية والاوروبية واصبحت اكثر انصافا لقضية العرب الاولى، من ذلك ماصدر في العدد الأخير من مجلة «تايم» الذي نادى بوضوح وبصوت جمهوري باعادة النظر في المساندة الكاملة والعمياء من قبل امريكا لاسرائيل، قائلة ان الغضب العربي المتصاعد ضد هذا الظلم الساطع انما هو غضب مشروع بالنظر الى الانحياز غير الشرعي وغير المنطقي للاحتلال مما نتج عنه يأس شعب كامل ظل بلا دولة ولا هدف. وحذت كثير من كبريات الصحف البريطانية والفرنسية والالمانية حذو «تايم» لدق ناقوس الخطر الارهابي الداهم والذي يولد دائما من اليأس والاحساس بالقهر ومن اعتبار امريكا مسئولة مسئولية كاملة عما يحدث لفلسطين، ومما يراه العالم يوميا من قوافل الشهداء ملفوفين بالعلم الفلسطيني مضطهدين وملاحقين بآلة عسكرية طاغوتية قادمة من امريكا. هذه بعض مكاسب الحكمة لدى زعمائنا .. فليواصلوا الانصات لاشواق شعوبهم وتلك هي الطريقة المثلى .. الطريقة الوحيدة لكسب معركة المصير بالرغم من المحن القادمة والمعلنة. فلعل يوم 11 سبتمبر 2001 يكون كذلك حدا فاصلا بين عهد الانفراد بالرأي وعهد اشراك الشعوب العربية في التفكير والتعبير واتخاذ القرار. من يدري؟ قد ينعم الله بالبلوى وان عظمت كما قال ابو تمام. ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر