الثامن من اكتوبر هو اليوم السنوي المشهور الذي تحتفل فيه امريكا بذكرى اكتشافها اوما يكاد يكون اكتشافها واطلاق اسم العالم الجديد او الدنيا الجديدة على تخومها. هذا هو يوم كريستوفر كولومبس كما يسمونه في مواقيت الروزنامة الامريكية وهو مناسبة احتفالات تقام على المستوى الاتحادي ومستوى الولايات وتعطل فيه المدارس لزوم تزويد المواكب والمهرجانات والكرنفالات بما يلزمها من مشاركين ومن الطلاب والتلاميذ، ومن مشاهدين. حظ كولومبس السعيد ولنقل ما يكاد يكون اكتشاف امريكا، لان الثابت تاريخياً، كما هو معروف ان الرحالة الايطالي المغامر كريستوفر كولومبس (1451 ـ 1506) لم يكتشف امريكا ـ القارة التي نعرفها او التي عرفها العالم من قبل.. وقصارى ما فعله الرجل ان ابحر من شواطئ المتوسط ويممت صواري سفنه الثلاث «سانتا ماريا» و«نينا» و«بينتا» جهة الغرب وانه كان يتصور واهماً بالطبع انه واصل الى الهند طامعاً بغير شك في ثرواتها وتوابلها التي تحادثت بها الركبان منذ العصور الوسطى وحكت عنها اساطير الف ليلة العربية.. ولكن سفن كولومبس ما لبثت ان هبطت في جزر الباهاما وكان ذلك في عام 1492 ـ نفس العام التي سلم فيه ابو عبدالله ابن الاحمر مفاتيح مدينة غرناطة ومن يومها اصبحت دولة العرب المسلمين في الاندلس فردوساً مفقوداً وصفحة مجيدة زاهرة، ولكن ذاهبة مولية من صفحات التاريخ. صحيح ان كولومبس عاود رحلاته من بعد حيث اكتشف مناطق دومينيكا وجامايكا وكوبا وهي في معظمها اراض جزرية منبثة هنا او هناك من رقعة البحر الكاريبي في حيز امريكا الوسطى الفاصل بين الامريكتين القارتين ـ الشمالية والجنوبية ولكن الصحيح ايضاً ان البحّار ابن مدينة «جنوة» الايطالية وصنيعة عاهلي اسبانيا فرديناند وايزابيللا، لم يكتشف من البر او الارض الامريكية، اللهم الا رقعة ضيقة من السواحل الجنوبية التي تطل على منطقة بنما، ناهيك انه كان يعتقد ان هذا كله من ارض الهند الاسطورية العتيدة التي طالما راودته في حلم اليقظة ورؤيا المنام على السواء، ورغم ان بحاراً ايطالياً اخر اسمه امريكو فسبوتشي (1454 ـ 1512) كان اكثر جدية واعمق جهداً من معاصره كريستوفر اياه فشد الرحال الى حيث اكتشف مصبات نهر الامازون العظيم واثبت ان قارة امريكا الجنوبية لا علاقة لها بقارة اسيا وان هناك من ثم كياناً اخر اسمه ـ كما المحنا ـ العالم الجديد.. ورغم ان اوساط الكشف الجغرافي اعترفت بفضل هذا البحار المكتشف فاطلقت اسمه على الامريكتين الشمالية (الولايات المتحدة) والجنوبية (اللاتينية). الا ان كولومبس ما لبث ان حالفه الحظ في كل حال.. فظل اسم فسبوتشي علماً على تسمية امريكا لكنها ظلت ـ وياللعجب ـ تحيي ذكرى كولومبس باحتفالات وكرنفالات مشهودة في يوم الثامن من اكتوبر من كل عام. بين الاحتفال والمأساة المشكلة ان احتفال عام 2001 الحالي جاء في اعقاب تراجيديا ـ كارثة الحادي عشر من سبتمبر ـ الامريكي الاسود ومن ثم ارتفعت الدعوات الى الغاء او ترشيد او تحجيم مظاهر الصخب الاحتفالية بيوم كولومبس، لاسيما وقد كانت الاحتفالات تشمل مواكب استعراضية لقوات الشرطة والمطافئ وما اليها، وهي ـ كما لعلك عرفت ـ من الهيئات التي اصيبت بخسائر فاجعة في ارواح افرادها من مختلف الرتب والمستويات، حيث سجل الكثير من هؤلاء الافراد بطولات وتضحيات وجادوا بحياتهم وهم ينهضون بمسئولياتهم ـ بصرف النظر عن اي اعتبارات اخرى، سياسية او غيرها ـ في انقاذ او محاولة انقاذ ضحايا حوادث تدمير المنطقة الادنى من جزيرة مانهاتن، كانت خلية النحل او مركز النشاط الاقتصادي ـ التجاري في نيويورك، وربما في الولايات المتحدة بأسرها. تساؤلات غاضبة حائرة ولأن اي حدث بهذا الحجم تنجم عنه، بالضرورة، آثار مترتبة بعضها يمكن ان يفهمه المراقب السياسي او الباحث او المحلل، وبعضها يدخل في تصنيف الاثار غير المقصودة على حد تعبير الكاتب السياسي الامريكي أنتوني لويس، فقد استرعى انظارنا وقد شاءت مقاديرنا ان نتواجد هذا العام على مقربة من موقع الأحداث في مدينة نيويورك، إن ثمة أصواتاً ودعوات نراها مستجدة وجديرة بالتأمل العميق، وهي أصوات ودعوات جاءت لتعبر عن معان كانت وستظل مستقرة، ربما مكتومة في مستكن الصدور.. ويقول لسان حالها: ـ كيف تحتفلون بكريستوفر كولومبس، هذا الافاق الايطالي وتصورونه بأنه الرجل الذي فتح لكم، أو لأسلافكم، أبواب الدنيا (الامريكية) الجديدة؟ إننا نرى في كولومبس هذا غازيا.. انتهازيا.. استعماريا جاء الى هذه التخوم في البر والبحر مدفوعا بشهرة الطمع ونزعة الشره وكان مجيئه نذير شؤم بالنسبة لشعوب الهنود الحمر من سكان امريكا الاصليين الذين تعرضوا من بعد ـ كما يعرف القاصي والداني ـ لحروب ابادة الاجناس وتدمير الانسان والثقافة وتشويه ـ إن لم يكن استئصال ـ أساليب الحياة وأنماط السلوك مما حولهم من مجتمعات كانت متكاملة فيما اختارته من طرائق معيشتها الى حيث أصبحوا في زماننا الراهن عينات، مجرد عينات بشرية أو مجتمعية يعيش أفرادها وكأنهم تمائم أو تعاويذ داخل محتجزات لا يأبه بها سوى سياح يتفرجون أو علماء انثربولوجيا يجرون عليهم الأبحاث وربما يضاف الى هؤلاء وأولئك بعض مخرجي الافلام التسجيلية أو بعض المتحمسين ـ المتحمسات في براءة لحقوق السكان الأصليين وهو بند مازال مطروحا للجدل السياسي على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. أبعد هذا يقول القائل: يجوز الاحتفال بيوم كولومبس أو التمدح بمآثره أو الاشادة بذكراه؟ وبديهي ان مثل هذه الدعوات كانت ترتفع ولو على استحياء في كل عام بين يدي احتفالات يوم الثامن من اكتوبر، ولكن أجواء المأساة القاتمة التي ما برحت تخيم على أجواء نيويورك وما أفضت اليه من جراحات عميقة في بنية أمريكا فأصابت في مقتل كبرياءها أو اعتدادها أو ثقتها بنفسها أو حتى غرورها اختر ما شئت من الاوصاف، هذه الاجواء ساعدت على ايجاد آذان صاغية لتلك الاحتجاجات.. كيف لا، وقد كتبت الصحفية الامريكية «اريكاجود» تصف ما آلت اليه الاحوال النفسية في بلادها فقالت ما معناه: لقد أصبح المألوف غريبا وأصبح الأمر المعتاد حافلا بالخطر. هيستيريا الإعلام من جهتها، لم تقصر منظومة الإعلام الالكتروني في مواصلة شحن النفسيات وتعبئة مشاعر الناس من خلال حرب الفتك الإعلامي كما قد نسميها تلك التي شنتها وسائل الميديا الامريكية في ساعات الليل والنهار على عقل ووجدان الامريكيين بل وغير الامريكيين. دبلوماسي لمكافحة الارهاب وسط هذا الجو المشحون الذي يجنح احيانا الى درجة من التوتر الذي قد يصل الى درجة الانكسار في بعض الأحيان يجهد المرء في التماس رسائل فكرية أو اعلامية تتوخى الموضوعية ولو الى حد ما وهو قد يطمئن الانسان الى ان ثمة عقولا تفكر وسط هذه التوترات وتحلل الامور ـ على البارد كما يقولون ـ خاصة وان الأمر لا يتعلق بدولة صغيرة أو كيان هامشي، وإنما هو يتصل بالدرجة الأولى بأكبر دولة في العالم وأكبر كيان سياسي في العصر. من هذه العقول، التي كنا نطالع مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» وهي المهتمة من واقع اسمها بأمر الكتب والمؤلفين وهو عبارة عن مقال شديد الايجاز، بالغ التكثيف، تنشره المجلة الامريكية الرصينة في عددها الصادر بتاريخ 18 اكتوبر الحالي بقلم واحد من مخضرمي الدبلوماسية الامريكية المعاصرة وهو الاستاذ فيليب ويلكوكس الذي كان يعد من أركان السياسة الخارجية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، حيث كان ويلكوكس يشغل منصبا له دلالته البالغة بالنسبة للأحداث التي تخوض الآن غمارها، وهو السفير الامريكي المتجول شئون مكافحة الارهاب.وقد ظل السفير فيليب ويلكوكس يشغل هذا الموقع الحساس على مدار ثلاثة أعوام كاملة بين عامي 1994 و1997. ينشر الرجل مقالته تحت عنوان بارز هو «الارهاب».وما أكثر ما سالت به أنهار السطور واحتلته صفحات الجرائد والمجلات، حتى لا نحصر نتاج الإعلام الاكتروني المذاع بالصوت أو الصورة حول موضوع الارهاب.. لكن المقال الذي نشير اليه في سياقنا الحالي يكتسب في نظرنا أهمية من واقع القضية التي يطرحها الدبلوماسي الامريكي ويخلصها السؤال البسيط والجوهري التالي: ـ هل استطاعت أمريكا ان تعالج الاسباب الجذرية لظاهرة الارهاب؟ والجواب البسيط بدوره عند السفير ويلكوكس هو: ـ لا.. لقد فشلت سياسة امريكا في مجال مكافحة الارهاب لأنها لم تتطرق الى معالجة أسبابه الجذرية. القصور المنهجي وفي معرض التحليل وتعمق الواقع المعاش يوجز صاحب المقال لما يمكن ان نسميه من جانبنا بالقصور المنهجي من جانب ساسة أمريكا في هذا السياق، أو بعبارات السفير ويلكوكس: ـ المشكلة هي ذلك الاتجاه الذي ساد السياسة الامريكية نحو التعامل مع ظاهرة الارهاب بوصفه شرا محضا مستطيرا، وهي تطل عليه من فراغ ومن ثم أصبح ذائع القول بأن اضفاء تغييرات على سياسة امريكا الخارجية بقصد تقليل ظاهرة الارهاب أو الحد من استشرائه، أمر لن يفضي سوى الى «مكافأة الارهابيين».. وإذن فلتستمر السياسة الخارجية الامريكية على ما فيها من سلبيات وما يشوبها من عيوب.. وإلا فتغييرها من شأنه ان يكافيء الارهابيين. ليس هذا وحسب.. يواصل المسئول السياسي الامريكي تحليله فيقول: ـ هناك ايضا امريكيون كثيرون يعللون ظاهرة الارهاب بأن مرتكبيها من الارهابيين لا يأبهون كثيرا لسياسات امريكا (أو مصالحها)، وانهم يكرهون الولايات المتحدة لأنها: قوية وعصرية وديمقراطية أو لأن ثقافة امريكا بكل عافيتها وحيويتها وديناميتها وفصلها الدين عن الدولة أو عن السياسة أمر يهدد هوية دعاة الارهاب أو مرتكبيه لأن السفير فيليب ويلكوكس يخلص من هذا النمط من التحليل الى بلورة الواجبات التي يرى ان على امريكا ان تنهض بها اذا ما كان هدفها هو التصدي لظاهرة الارهاب.. يقول: ـ من واجب امريكا، ولأغراض حماية نفسها وكيانها ان تزيد جهودها المبذولة من أجل تخفيف حالة الكراهية التي يشعر بها الآخرون ازاءها قبل ان تستفحل هذه الحالة وتزداد تعقيدا. إن الظروف التي تولد في رحمها نوازع العنف والارهاب يمكن التخفيف منها من خلال جهود يتم بذلها من اجل حل الصراعات الناشبة وكذلك من خلال تقديم المساعدات التي تعزز التنمية الاقتصادية وترفع مستوى التعليم وتوسع الفرص المتاحة في مجاله وتؤدي الى ضبط النمو السكاني مع العمل في الوقت نفسه على تحديد أو تحجيم انتشار الاسلحة وأدوات الدمار التي تفتك بحياة البشر. الصراع في فلسطين ثم يتطرق فيليب ويلكوكس، وهو كما أسلفنا من خبراء الدبلوماسية الامريكية في مجال مكافحة الارهاب الى مجالات التعاون والتحالف الدولي المعادي للارهاب.. يقول: ـ لن نلقى المساعدة الكاملة من جانب الدول الأخرى، ومهما بذلنا من جهود أو مارسنا من ضغوط الا اذا شعر الآخرون بأننا على وعي كامل بمصالحهم المشروعة. على سبيل التحديد يضيف الدبلوماسي الامريكي: ـ لا جدال في ان أمريكا ينبغي لها ان تعيد تقسيم سياساتها فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وايضا فيما يتعلق بالعراق، وتلك أمور أفضت الى غضب عارم وعميق تجاه امريكا في العالمين العربي والاسلامي، حيث نبتت جذور الارهاب وحيث أضحى التعاون (مع امريكا) أمرا جوهريا أكثر من أي وقت مضى، ونحن (الامريكيين) قادرون على ان نفعل ذلك دون ان نتخلى عن التزاماتنا السياسية بما في ذلك أمن اسرائيل. من خلال هذا المنظور الذي نراه واقعياً وجديرا بسياسي مجرّب ومحنّك.. يرفض السفير ويلكوكس نظرية هنتنجتون الشهيرة حول «صدام» أو «صراع الحضارات» يحض بلاده على أن تلتمس الطرق والوسائل الكفيلة بما يسميه تعزيز الروابط المشتركة بين القيم الغربية والاسلام (بمعنى احلال فكرة التعاون بين الحضارات بدلا من اذكاء الصراع بينها) وهو يرى في ذلك عامل اضعاف عناصر التطرف التي تحض على كراهية الغرب وتؤازر العمليات الارهابية. وفي هذا الاطار، يؤكد السفير الامريكي على أهمية العمل على اعادة تعريف مفاهيم الأمن القومي للولايات المتحدة، مشددا في الوقت نفسه على تحسين وسائل جمع المعلومات وتعزيز اجهزة الاستخبارات وبالذات قدرات هذه الاجهزة على تحليل المعلومات واعتبار ان اللجوء الى القوة العسكرية لابد وان يشكل الاجراء الأخير الذي لا يتم اللجوء اليه الا بعد استنفاد ما سواه من سبل وامكانات. وأخيرا يخلص السفير ويلكوكس الى نتيجة يوجزها في سطور، تقول: ـ من شأن استراتيجية قومية جديدة تكفل الأمن القومي لأمريكا تنطوي بدورها على سياسة خارجية أوسع نطاقا وأبعد أهدافا من حيث ابتعادها عن نزعة الانفراد والتصرف من جانب واحد والاقتراب اكثر والتعاون الوثيق بسياسة تتعامل مع ظاهرة الارهاب لا من منطق الاكتفاء بالتشخيص ولكن من منطق معالجة الظاهرة من جذورها الأساسية وازالة الأسباب التي تكمن وراءها. ـ كاتب وسياسي مصري