جاء التكريم متأخراً عن أوانه للمخرج السينمائي القدير توفيق صالح، فلقد تذكره مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الحالية الخامسة والعشرين، بعد ان تمكن منه قدر النكران والتهميش لعقود، في مفارقة تستعصي على التفسير، لكثرة طلاسمها وألغازها، ورغم الاعتراف الدولي بأنه قدم للسينما العربية أحد أهم وأفضل فيلم سياسي ضمن قائمة العشرين فيلماً على مستوى العالم، وهو فيلم «المخدوعون» المأخوذ عن رواية الشهيد غسان كنفاني «رجال تحت الشمس». وجاءت معالجة توفيق صالح السينمائية للمأساة الفلسطينية، في صورة سينمائية تتسم بالشمولية، وتنضح بالحياة، وتمزج ما بين الرمزي والواقعي، في تركيبة فذة ناضجة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتضع عين المشاهد على جوهر ولب النكبة، دون الوقوع في اللغة الخطابية والمباشرة أو القفز لرمزية غامضة تحجب عنا نضارة وسخونة الواقع وحيويته، وفي الوقت نفسه لا تعلق أسباب المأساة على مشجب المؤامرة الخارجية فقط، بل تشير بجرأة إلى عيوننا وأخطائنا ومسئوليتنا عن المأساة. ولأن السينما تشاهد ولا تقرأ، لا ينبغي ان نستطرد في الكلام عن «المخدوعون» ونتمنى على محطاتنا التلفزيونية ان تدرجه على برامجها من باب امتاع المشاهدين، وفي نفس الوقت تذكيرهم بأبعاد قضية العرب المركزية. والمثير للدهشة، ان توفيق صالح الذي قدم للسينما أعمالاً يصنفها النقاد ضمن روائع الفن السابع وليس على طريقة مخرج الروائع المثيرة للراحل حسن الإمام، لم يلق اهتماماً أو تقديراً منذ عودته إلى مصر في منتصف الثمانينيات بعد تغريبة سبعينية ما بين دمشق وبغداد، وكأنه يدفع ثمن هذه التغريبة التي لم يجن منها شيئاً سوى فيلمه «المخدوعون» في محطة دمشق، وفيلم «الليالي الطويلة» في محطة بغداد، والذي يبدو انه بات ذنباً يلف عنق توفيق صالح، ويلحق به انتقادات وربما اتهامات هو بريء منها، لكنه مضطر للاعتذار عنها. ففي «الليالي الطويلة» يعالج توفيق صالح فترة مضطربة من تاريخ العراق، و تعامل معها بصدق في اطار رؤية اللحظة التاريخية، وبعد ان تغيرت الظروف ولحقت التغيرات بالشخصيات، بدا وكأن توفيق صالح صنع فيلماً دعائياً رخيصاً، وقبض الثمن، وهذا غير صحيح، لكنه قدر من يحسنون الظن بالسياسة ولا يقدرون وحشية تقلباتها. لكن ليس هذا فقط هو ما قدمه لنا توفيق صالح، بل هناك أعمال تخلده، منها «درب المهابيل» أول تعاون ربطه بصداقة ممتدة إلى اليوم مع أديب نوبل نجيب محفوظ، حيث انتظما معاً في اللقاء الاسبوعي لشلة «الحرافيش». كما قدم توفيق صالح فيلمه «صراع الأبطال» متحدياً بعض اجهزة الدولة في عنفوان الثورة المصرية، ولم ينقذه من مقص الرقيب سوى تدخل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ووزير الثقافة وقتها الأديب الفنان ثروت عكاشة. لهذا يكتسب تكريم مهرجان القاهرة السينمائي لتوفيق صالح مغزى خاصاً، ويرد الاعتبار والقيمة لعمليات التكريم عندما تختص من يستحقها، وترفع الغبن عن المطاردين في دائرة التجاهل والتهميش، وتصبح قيمتها مضاعفة بإعادة عرض أفلامه لتشاهدها الأجيال الجديدة. أما توفيق صالح فنقول له: كفاك تقاعداً وانعزالاً وانتظاراً لـ «جودو» الذي قد يأتي أو لا يأتي، وبادر بكسر الشرنقة التي أدخلت نفسك فيها، أو فرضت عليك، وحاول ان تقدم للسينما عملاً يربطك بالحاضر ويدفع بك إلى دائرة المستقبل، و إلا فستكون قد أجرمت في حق موهبتك وتنكرت لتاريخك.