لا أدري من كان المسئول عن هذا النظام الذي أسس مكتبة كبيرة عامرة في كل مدينة كبيرة من مدن مصر. كنت أعرف مكتبة من هذه المكتبات في المحلة الكبرى، بلدتي، ومكتبة أخرى في مدينة طنطا عاصمة المحافظة التي تنتسب اليها بلدتي، ومكتبة ثالثة في مدينة المنصورة القريبة من بلدتنا، وكنا نذهب اليها أحيانا بالدراجات في رحلات كنا مغرمين بها في أيام الصبا. وعرفت مكتبة رابعة في مدينة الاسكندرية التي انتسب اليها من ناحية أبي. واعتقدت منذ ذلك الوقت، ولا زلت أعتقد، أن هذه المكتبات جزء من نظام عام، ولكني لا أزال الى اليوم أجهل من الذي استن هذا النظام، فقد حقق هدفا نبيلا، وأسهم إسهاما كبيرا في إشاعة الاستنارة، خصوصا في أوقات أو سنوات لم نكن نعرف فيها التلفزيون، ولم يكن الراديو متاحا لكل الناس، فقد كان جهازا خشبيا كبيرا، غالي الثمن، لا تقدر عليه كل الأسر، ولا تعرفه سوى الأسر الثرية أو الأسر الميسورة أو متوسطة الحال. وكان في منزلنا راديو كبير الحجم، له عين خضراء اللون، لا أعرف لماذا كانوا يطلقون عليها العين السحرية، وكانت له واجهة زجاجية أنيقة مخططة بعلامات المحطات، وكنت أستمتع بمشاهدة ضوء هذه الواجهة والعين السحرية الخضراء في أمسيات الشتاء والتي كانت تتجمع فيها الأسرة حول الراديو. ولا عجب أن يكون الكتاب هو المصدر الأول للمعرفة وسبيلها الوحيد في تلك السنوات، يحمل المقرر الدراسي، ويحمل الأخبار والمعلومات مثل الجرائد والمجلات، ويحتوي من الروايات ما ينسينا العالم من حولنا، وينقلنا في قصائد الشعر الى جنّات خيالية، ويحملنا مع البحوث المختلفة الى ألوان أخرى من المعرفة التي كبرت وكبرنا معها. ولذلك أصبح الكتاب صديق من يريد فينا مجاوزة المدار المعرفي المغلق الذي كنا نعيش فيه، وكان الكتاب، تماما مثلما وصفه أبوعثمان الجاحظ في القرن الثالث للهجرة، وكما حفظنا في كتب المختارات الأدبية المدرسية، أقول كان الكتاب خير جليس، مسامر لا يبتديك في حال شغلك، ويدعوك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك الى التجمل له والتذمر منه، ومن لك بزائر مثله، إن شئت جعل زيارته غِبا، وإن شت لزمك لزوم ظلك، وكان منك بعضا، فهو الجليس الذي يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والجار الذي لا يستبطيك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، إذا نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذّ طباعك، وبسط لسانك، وعمر صدرك، به تعرف في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر. كانت مثل هذه الأقوال التي حفظناها عن الجاحظ تزيدنا حبا في الكتاب، وتدفعنا دفعا اليه، خصوصا ونحن لم نكن نعرف سواه مصدرا للمعرفة وسبيلا إليها، وأحسب أن جيلي هو الجيل الأخير الذي تربى على محبة الكتاب من هذا المنظور، قبل أن يأتي التلفزيون، وبعده الإنترنت، وتدخل المعرفة كلها في متغيرات جذرية، متغيرات أصبح معها الكتاب الذي أحببناه شبيها بالعوالم التي تربينا على حبها واحترامها رغم أنها أخذت طريقها الى الانزواء في هذا العالم المملوء أخطاء. وكما حفظنا قول الجاحظ حفظنا قول شوقي: وخير جليس في الزمان كتاب. ولذلك كنا نبحث دائما عن أخير الجلساء، ونذهب الى كل مكان يوجد فيه، ونطلبه في كل موضع، ونتزود منه تزود المحب من عطايا الحبيب. هكذا قادتني قدماي ذات يوم الى مكتبة البلدية، مع صديق أو قريب أكبر مني سنا، لا أذكر الآن، كان المبنى فخيما، مهيبا، بأعمدته الخارجية المبنية على الطراز القوطي، ولونه الأبيض المائل الى الاصفرار الخفيف، ودرجات السلالم المنبسطة على امتداد المدخل، وتنتهي الى ممر داخلي يفصل ما بين المدخل ونهاية الدرجات، تزيد المشهد إحساسا بالدخول الى عالم فريد، ودخلت وراء من معي من باب عتيق، واجهتنا قاعة رحيبة، مستطيلة، لم أكن رأيت أكثر منها اتساعا وطولا، ومضيت وراء صاحبي أنقل قدماي على أرضية خشبية حائلة اللون، تقطعها في مستطيلات منتظمة داخل المستطيل الكبير دواليب خشبية، لها أبواب زجاجية لا تحجب منظر كعوب الكتب المجلدة المتراصة الى ما لا نهاية، جاذبة العين بألوانها المتباينة، وأشكال الحروف المنقوشة بماء الذهب بعناوين الكتب وأسماء مؤلفيها، وبين الدواليب التي بدت لي كثيرة جدا للمرة الأولى طاولات مستطيلة، بالغة الطول فيما بدت لي، حولها كراسي من طراز قديم، والحق كان كل شئ قديما مجللا بالغموض والسحر فيما رأيته للمرة الأولى، ولم يكن يشغل الكراسي إلا عدد محدود من القراء من أعمار مختلفة، كل واحد يجلس الى كتابه في استغراق، بلا صوت، ولذلك كان الهدوء يسيطر على المكان، ويضيف الى جلاله. وأخذني صاحبي في جولة أولية، أشار الى القسم الأجنبي الذي كان يضم الكتب الأجنبية، ثم القسم العربي، وأبان لي أقسام الدواليب المقسمة حسب الموضوعات، ومد يده الى دولاب وانتزع كتابا من أحد الأرفف، وهمس في أذني أنه سيسبقني للقراءة، تاركا لي حرية اكتشاف ما أريد واختيار ما أرغب. وتركت نفسي بين الدواليب (هل أقول الخزائن؟!) الكثيرة، وتحركت بلا قصد سوى نهم المعرفة، رغبة الاكتشاف، فضول من يكتشف في داخله إرادة التعلم تتفجر دون عوائق. ولا أزال أمارس هذه العادة في كل مكتبة أزورها، أبحث عن القسم الذي يهمّني، والدور الذي يعنيني، والجناح الذي يخصني، ثم أهيم بين الأرفف والصفوف، أقلب الكتب كتابا كتابا إذا استطعت، وأطالع العناوين، وأتعرف على كل ما حولي قبل أن أبدأ بالاختيار، أو بأخذ الكتاب الذي قصدت اليه، وكان ما فعلته في مكتبة البلدية في صباح هذا اليوم الذي ابتعد أكثر من أربعين سنة هو نفس ما افعله الى اليوم، فلم أجد أحدا يرشد أحدا الى كتاب، ولعله كان موجودا، ولكني لم أنتبه، فسرت بين الدواليب (هل أقول الخزائن؟) أقرأ العناوين الموضوعة في الاطار الأعلى بخط صغير لكنه ظاهر. وتوقفت عند كتب الأدب. هذه كتب طه حسين، والى جانبها كتب العقاد، وكنت أسمع عنهما قبل دخولي المكتبة، لكني لم أقرأ لأحدهما بعد، وبعدهما أسماء كثيرة لم أكن أسمع عنها: أحمد أمين ومحمد حسين هيكل وعبدالعزيز البشري ومصطفى صادق الرافعي وعلي أدهم واسماعيل مظهر وغيرهم، وغيرهم، دنيا بأكملها من الأسماء والكتب التي سوف تغدو جزءا لا يتجزأ من حياتي اللاحقة، أقرأها مرات ومرات، وأقوم بتدريسها مرات ومرات في أماكن عديدة من العالم، واستوقفني كتاب سميك الحجم، لون كعبه الجلدي أسود، مكتوب عليه (إلياذة هوميروس) ترجمها نظما سليمان البستاني، وكان الكتاب مطبوعا سنة 1904، وعلى صفحة غلافه الداخلي قرأت: (إلياذة هوميروس معربة نظما، وعليها شرح تاريخي أدبي، وهي مصدرة بمقدمة في هوميروس وشعره وآداب اليونان والعرب، ومذيلة بمعجم عام وفهارس بقلم سليمان البستاني، ما الإلياذة؟! ومن هو هذا الهوميروس؟ ومن هو سليمان البستاني الذي لم أسمع عنه من قبل؟ ولم يدفعني الى حمل كتابه سوى حجمه الضخم الذي كان مميزا عن بقية الكتب، وجلست الى طاولة القراءة، وأعرف من القدر القليل الذي فهمته بالقياس الى القدر الأكبر الذي لم أفهمه أن هوميروس شاعر يوناني قديم جدا، وأن هناك من يشك في وجوده أصلا، لكنه كان شاعرا عظيما جدا، ألف قصائد بالغة الطول أطلقوا عليها اسم ملاحم، وكتاب (الإلياذة) إحدى ملاحمه التي صاغها شعرا يونانيا كان ينشده في اليونان القديمة، وظل هذا الشعر ينشد من بعده الى أن تم تدوينه في كتاب، وجاء سليمان البستاني وقضى عشرين عاما في ترجمة هذا الكتاب، وتعلم من أجل ذلك اللغة اليونانية القديمة، ولم يكتف بالترجمة الانجليزية أو الترجمة الفرنسية، وإنما رجع الى الأصل مباشرة، وظل يدرس سنوات وسنوات الى أن اتقن اللغة اليونانية لكي يترجم هذا الشاعر العظيم. ولم يكتف الرجل بذلك بل جعل الترجمة شعرا عربيا، وعانى الصعاب الرهيبة الى أن استقامت له الأوزان العربية، واستطاعت تأدية المعاني اليونانية فيما رآه البستاني أقرب اليها. ولم يكتف البستاني العظيم بذلك، بل بحث في كل التراث العربي الذي توصل الي معرفته، وقارنه بالتراث الأوروبي، ليكتب دراسة لا تزال لها قيمتها الى اليوم عن الشعر العربي والشعر اليوناني، كاشفا عن أوزان هذا وأوزان ذاك، معرجا على فن الترجمة ومعرفة العرب به، متحدثا عن أسماء مترجمين سرعان ما نسيتهم، كاشفا في النهاية عن الأساليب التي اتبعها في الترجمة والمشاكل التي واجهها وكيفية الحلول التي وضعها، وكان ذلك كله فيما يشبه كتابا مستقلا، يزيد عن مائتي صفحة من القطع الكبير، لم اقرأها كلها في ذلك الصباح البعيد، لأنني كنت أعبر بعيني على الأسطر في لهفة، وأقفز عبر الصفحات، متجاوزا كل ما أراه صعبا أو عسير الفهم أو حتى مستحيل الفهم، ولا أتأنى إلا إزاء ما يمكن أن أفهمه، وكان أكثر من أن يحتمله رأسي الغضّ الذي كان يتشرب كل شئ بسرعة، كأنه تلك الأرض (الشراقي) بلغة أهل القرى المصرية، الأرض الظمأى الى الماء، المحرومة منه، التي تمتص على الفور كل ما يصلها من ماء بعد طول حرمان. لم تكن الأشياء واضحة وضوحها الآن في ذهني، بعد كل هذه السنوات البعيدة، ولكن انغرس معنى أن يقضي الانسان عشرين عاما حتى يتقن شيئا، فالعلم قرين الصبر والدأب وليس قرين (اللهوجة) و(الصربعة). والترجمة لابد أن تكون عن لغة الأصل نفسها، مهما كانت المصاعب والعقبات، وانتاج الانسانية القديم له أهميته القصوى ما ظل فيه ما يقدم للإنسانية نفسها القيم التي تظل في حاجة اليها على امتداد أزمنتها. وتركت التقديم الطويل جدا لأصل الى الشعر، وما كدت أقرأ الأسطر الخمسة الأولى حتى انقطعت أمامي سبل الفهم، فقد كان الشعر مترجما بنظم جاهلي اللغة، لا قبل لي بفهمها، ومع ذلك فقد حفظت فيما بعد الأبيات الخمسة الأولى لأغيظ بها أصدقائي رغم أن أحدهم لو سألني عن معناها لاكتشف عجزي عن فهمها وقتذاك.