بيروت، دبي وميونيخ، عواصم من نار ونور وحركة، وخلال الفترة الماضية ارتبطت عندي هذه المدن بعلاقة زمن وتحرك في فضاء الجغرافيا، هي علاقة ارتباط صنعتها حينما توقفت عن الكتابة لمدة شهرين، لكن وبخطوة واحدة خطوتها خارج الطائرة فجر امس الاربعاء وانا عائدة الى دبي، ذهبت كل العلاقات في طريقها، ووجدتني أمام العلاقة الأهم.. الكتابة.. الأوراق والقلم. وكان أول ما سمعته «الحمد لله على السلامة، أين الأبجديات؟ لقد مر زمن طويل!! التفت اليه، كان أحد ضباط مطار دبي ابتسمت له بامتنان، غادرني وهو يقول بتشجيع ظاهر: «نريد أن نقرأ الأبجديات منذ الغد»!! وتساءلت بيني وبين نفسي: أيعقل ان يكون هذا السيد المحترم قد أخذ مني وعداً بالكتابة منذ الغد؟ وحينما جلست لتناول العشاء (المتأخر جداً) في المنزل قالت لي شقيقتي كلاماً مشابهاً، وكذلك فعل أخي، وأكدت صديقتي على ما قالوه وبنفس الطريقة.. وهكذا كان لابد من مواجهة حقيقة البياض الخاطف في ورق الكتابة المحير! وها نحن اليوم نعود معاً، نتنفس العالم معكم وبكم ونقول بعد طول غياب: صباح الخير، ولنحاول معاً ان نفتح في جدار الحديث المتكاثف نقطة ضوء ليكون الحديث اكثر اشراقاً وفائدة و.. صراحة، فما أكثر الكلام هذه الأيام، وكل الأيام وما أقل الحقيقة، ومع ذلك فنحن مع القائل: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل! ان زمناً قطعناه عبر جسر الأيام الماضية، حمل بين جوانبه احداثاً غير عادية، غيرت او ستغير معالم الاحداث ولسنوات طويلة مقبلة، فنحن اليوم اذن وجهاً لوجه أمام مفترق طرق يبدو فيه المستقبل غيباً صعب التصور، ذلك دون ان نكون متشائمين اكثر من اللازم، لكن السنوات العشر الماضية، والتي سبقتها، علمتنا ان قراءة الاحداث ترتكز على المقدمات، وليس على التفاؤل والتشاؤم ووجهات النظر، فالنتائج رهن بمقدماتها دائماً، هكذا في السياسة كما في كل شيء! لكن في السياسة، كما في كل المفارق والمفاصل والتفاصيل، يقف الانسان البسيط، الرجل العادي والمرأة والطفل، هؤلاء العاديون جداً، المهمشون بتعمد واصرار، هؤلاء هم الذين يصنعون التاريخ والبطولات ويبدعون جمال الحياة، هؤلاء يقفون عند المفاصل الكبرى للأحداث ليكونوا وقوداً لمحرقة التاريخ، لا ابطالاً ولا أساطير ولا آلهة ولا صناع أحداث معترفاً بهم، فغيرهم يختطف الانتصارات ويطير بها بعيداً مخلفاً لهم النيران والدخان والخرائب! لماذا يحدث ذلك دائماً؟ هذا سؤال بحجم التاريخ ويحتاج للاجابة عليه لتاريخ، ولأرتال من الكتب وآلاف من المؤرخين ليقولوا حقيقة الاجابة، لكنها الحقيقة التي لن تقال ابداً، واذا قيلت فإنها ستقال متأخرة لمدة قرون من الزمن، انها الحقيقة المحكومة بالتغييب والتشويه والتهميش وبكل الوسائل، لانها الحقيقة التي توازي الخطر القاتل! فيما حدث بعد الثاني من اغسطس 1990 بعد غزو الكويت، هل قيلت الحقيقة؟ وخلال اكثر من عشر سنوات ماذا قيل من هذه الحقيقة؟ اما فيما حدث بعد الحادي عشر من سبتمبر الماضي، فنستطيع ان نقول ان لا شيء من الحقيقة قد قيل بعد! تماماً كتلك الأدلة الدامغة التي يتحدث عنها الجميع دون ان يكون احد قد اطلع عليها، لكن الجميع مضطر لأن يتحدث عنها وكأنها الحقيقة، هكذا هي حقائق السياسة، قبض ريح لكنها الريح التي لا تبقي ولا تذر!! Aisha@albayan.co.ae