من أكثر المقولات شيوعا في فقه العلاقات الدولية، أنه عندما تتعارض مبادئ الدول مع مصالحها، فإن الأفضلية غالبا ما تكون للمصالح والخيارات المؤدية الى تحقيقها الذين خبروا صدقية هذه المقولة، ونحن منهم، لم يأبهوا كثيراً للبكائية الدولية الكبرى على المصيبة التي حلت بالولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر . فالأولى بالإهتمام بالنسبة لهم في هذا المقام، هو ملاحظة الكيفية التي إستهدت بها الدول المختلفة، وهي تتعامل مع الرغبة الأمريكية في تكوين الإئتلاف الدولي لمحاربة ما يسمى بالإرهاب. نظريا، إنتصرت كل القوى الدولية للجرح الأمريكي، ولم تخل سرادقات العزاء والمجاملة في هذا الإطار من أكثر الأطراف إعتراضا على سلوك السياسة الأمريكية الخارجية . لكن مشاطرة واشنطن أحزانها شئ والاقتناع بأسلوبها الإنتقامي مع تجاهل سجلها الدولي أو التغاضي عن الفرصة المتاحة لمساومتها مصلحيا قبل مساعدتها في حربها الغامضة، شئ آخر. الإتصالات الأمريكية الدولية في الأيام التالية للعزاء، عرضت نموذجا فذا لتنحية المبادئ والتقيد بالمساومات المكشوفة والمتواربة، من أجل ملاحقة المصالح بمعناها الضيق، شديد الجفاف، البعيد عن الاعتبارات العاطفية. لقد إبتلع مشاركون كثيرون في هذه الإتصالات، الإهانات التي وجهتها لهم واشنطن في مناسبات سابقة، وبخاصة في عهد إدارة بوش الابن الحالية المكلومة . وركزوا أنظارهم على ما يمكن استحلابة من مزايا أو تحقيقه من أهداف ذاتية، في غمرة الرغبة الأمريكية المشبوبة لمنازلة العدو الشبحي المعروف بالإرهاب. والواقع أن إدارة العلاقات الدولية وفق هذا النموذج المصلحي الصرف، من الظواهر التي اسهمت تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية في دعمها، ولذا فإن واشنطن لم تفاجأ بأنماط المساومة التي واجهتها في عالم ما بعد الثلاثاء الدامي . ولأن الهدف الأمريكي تحدد في محاربة حركة طالبان وأسامة بن لادن في أفغانستان أولا وعلى سبيل الاستهلال والبداية، فقد تأثرت مساومات الأطراف المختلفة بمدى حاجة واشنطن لهم ولأدوارهم في سياق هذا الهدف. كان طبيعيا والحال كذلك، أن تحظى القوى المجاورة لمسرح العمليات بالنصيب الأوفر من الأوراق .. الباكستان والهند بصفة خاصة . وقد راوحت هذه الأوراق عموما بين تقديم معلومات إستخبارية، أو تسهيلات لوجستية أو قواعد عسكرية للتجمع والإنطلاق أو فتح المجالات الجوية لمرور الطائرات المقاتلة والصواريخ أو إغلاق منافذ الهروب أمام بن لادن وقيادات طالبان الحامية والمضيفة مع أنصاره، أو عدم إعاقة جهود التعبئة الدولية السياسية بالحديث الممجوج عن القانون الدولي وشرعية الحرب الأمريكية من عدمها بحسب قواعد الأمم المتحدة، أو مطاردة ما تصفه واشنطن كحركات إرهابية والتضيق على أعضائها ..الخ. وتظهر الوقائع أن طاقة الأطراف المعنية على المساومة، قد تحددت في ضوء ما تستحوذ عليه من هذه الأوراق ونحوها من جهة، ثم بحسب قدرة الولايات المتحدة، زعيمة الحملة الدولية المناهضة للإرهاب، على لي أعناق هذه الأطراف عبر سياسات المنح والمنع الاقتصادية أو التسبب لها في أضرار معينة أو منافع داخليا أو دوليا من جهة أخرى . بناء على هذه المنطلقات، فقد تمكنت الولايات المتحدة بمساعدة بينة من الحلفاء الأوروبيين، من تفتيح الأبواب أمام مشروعها الحربي، وإستمالت إلى جانبها قوى بدت عصيه على الاستمالة في مناسبات أخرى . لقد ضعف الجميع أمام إغراء قانون المصلحة، ولم يتساءلوا عما إذا كان نهجهم هذا قد أدى إلى إنتهاكات محدودة أو جسيمة للمبادئ والمثل السوية قانونيا أو إنسانيا . وهكذا وجدنا أن كل الأطراف المفاوضة لواشنطن، حققت لذاتها ما تعتبره مكتسبات، مقابل التنازل عن أوراق من تلك التي رفعت الحملة الأمريكية قيمتها . فبالنسبة للباكستان والهند، تم رفع الحظر والعقوبات المفروضة عليهما منذ تفجيراتهما النووية عام 1998 ترى أيعني ذلك التسامح الأمريكي مستقبلا مع قدراتهما النووية؟ كما وعدا بتدفق المعونات الموقوفة وجدولة عشرات المليارات من الدولارات المدينتين بها لعالم الغرب، بل وتم شطب بعضها نهائيا. وتأكدت روسيا من غض الطرف، أمريكيا وأوروبيا، عن حربها الضروس ضد الشيشان، وصارت موسكو في موضع يسمح لها بوصف هذه الحرب كجزء من الحملة الدولية ضد الإرهاب الدولي بدون خشية ردة فعل سلبية على الصعيدين الأمريكي والأوروبي، ولا يستبعد أن تتقاضي روسيا أيضا ثمنا إقتصاديا لموقفها من الحملة الأمريكية بشكل عاجل أو آجل. وتنتظر الصين أن يغض الأمريكيون والأوروبيون النظر عما يجري في إقليم سنكيانج ذو الأغلبية الإسلامية ونزعته الإنفصالية تحت إطار الحكم الذاتي ودعاويه . فضلا عن ما تأمله من مواقف جديدة إزاء قضيتي التبت وتايوان. أما دول وسط أسيا، فتتصور زيادة في مكانتها مستقبلا بسبب ما ينطوي عليه الإنشغال الأمريكي بها من موازنة للنفوذ الروسي، فضلا عن احتمال تدفق الاستثمارات الغربية إليها، وهي التي تعوم على ثروات طبيعية، نفطية بالذات. وكانت إسرائيل من أوائل من حاولوا الاصطياد في مياه الغضب الأمريكي، عبر ربط المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، والحصول على صك براءة لإرهاب الدولة الذي تمارسه بحق الفلسطينيين، وهي قصة باتت معروفة ومكشوفة. السؤال الذي يناسب مقتضى هذا الحال هو أين النظام العربي من سوق المساومات المصلحية هذه ؟. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة