من المؤكد ان المصادفة وحدها هي التي قضت بأن تتواكب احداث «سبتمبر امريكا الدامي» مع ذكرى مرور عشرين سنة على احداث «سبتمبر مصر الدامي» التي كانت موضع اهتمام سياسي واعلامي عربي ودولي، في مثل هذه الايام من عام 1981 لتصل الى ذروتها باغتيال الرئيس الراحل انور السادات في حدث لم يكن الاول من نوعه فحسب في تاريخ مصر، بل كان ـ كذلك ـ بداية موجة من الارهاب لم تغادر وقائعها الذاكرة بعد. والحقيقة انني كدت انسى الذكرى في زحمة متابعة ما يجري الآن على مسرح الكون لولا ذلك الفيض من التحليلات السياسية والتاريخية التي حرص اصحابها على تذكير السياسة الامريكية ـ وتذكيرنا بالمناسبة ـ بأنها مسئولة عما حاق بها، وان «بن لادن» و «الافغان العرب» الذين تجزم الادارة الامريكية بانهم الذين خططوا ونفذوا عملية الثلاثاء الدامي، هم في الاصل بضاعة صنعتها المخابرات الامريكية، صاحبة الفكرة في تشكيل فيلق من المجاهدين العرب والمسلمين، تم تدريبهم على يد ضباط امريكيين في معسكرات اعدت لهذا الغرض على الحدود بين باكستان وافغانستان، ليشاركوا في مقاومة القوات السوفييتية التي كانت قد دخلت افغانستان لحماية ودعم نظام شيوعي استولى على الحكم بانقلاب عسكري. باختصار كان «بن لادن» و «الافغان العرب» بعض التجليات الساخنة للحرب الباردة، واسلوبا من اساليب المواجهة غير المباشرة، بين ما كان يعرف آنذاك بالدولتين العظميين الذي حكمه ميزان الرعب النووي، اذ لم تكن امريكا ـ التي ازعجها ان يتوسع الاتحاد السوفييتي في آسيا الوسطى ـ تريد او تستطيع ان تواجهه بشكل مباشر خشية ان تنفلت الامور فتقود العالم كله الى كارثة نووية، فاكتفت بان تدعم المعارضة الافغانية بالاموال والاسلحة، وان تمدها فوق البيعة بفيالق من المتطوعين، وتمنت على اصدقائها في الدول العربية والاسلامية، ان تيسر على الراغبين من مواطنيها سبيل الجهاد في افغانستان انتصارا لرب العزة، وحسبة للجالس في البيت الابيض. ومع ان مقاومة الوجود السوفييتي في افغانستان ـ بصرف النظر عن انه تم بطلب من حكومتها، وعلى غير رغبة السوفييت انفسهم ـ كان يمكن ان تجرى تحت الرايات الوطنية، وان تقودها قوى سياسية افغانية متعددة الاتجاهات، الا ان الولايات المتحدة الامريكية فضلت ان تضفي الطابع الاسلامي على تلك الحرب، وان تنفخ في نفير الجهاد داعية المسلمين في كل انحاء العالم لخوض الحرب ضد الالحاد الذي يمثله النظام الحاكم في افغانستان وحلفاؤه من السوفييت. ولأن الشيوعية كانت تشكل بعبعا مخيفا لكثير من الاقطار العربية والاسلامية، فقد استجاب بعضها للطلب الامريكي، ودعمت المجاهدين الافغان بالسلاح ويسرت للراغبين من مواطنيها التطوع لتحرير افغانستان من الغزو السوفييتي الملحد، ولان الحرب كانت تدور تحت الشعارات الدينية الاسلامية، فقد كان طبيعيا ان تكون «كادرات» حركة الاسلام السياسي، ـ التي كانت قد بدأت تنعش في ذلك الحين ـ هي الاكثر اقبالا على التطوع، وقد وجدت فيه فرصة للهرب من الملاحقة البوليسية التي كانت تلقاها في بلادها، وللتعرف على مثيلاتها في بقية دول العالم الاسلامي، وفرصة ـ كذلك ـ للتدريب الفعلي على استخدام السلاح وحرب المدن، وتصنيع المتفجرات، وقيادة السيارات المفخخة، وتلغيم الطرق. ولان في الاسفار سبع فوائد، فقد تقاطرت عليها ـ فضلا عن ذلك ـ الأموال، بملايين الدولارات من بعض الاثرياء العرب، الذين ارادوا ان يؤمنوا ثرواتهم ضد بعبع الشيوعية، فجاهدوا بجانب منها، وتبرعوا به للمجاهدين الذين جمعوا بين الاسلام والسلاح والدولارات. وبصرف النظر عن الخلاف في تقييم الدور القتالي الحقيقي الذي قام به العرب الافغان، بين الذين يدعون انهم ساهموا في هزيمة السوفييت وبين الذين يؤكدون انهم كانوا مجرد كتيبة اعلامية، فقد اصبحت افغانستان، التي كانت ـ ولا تزال ـ تموج بالفوضى قاعدة لمدارس الكادر، ومفرخة لتيار متزمت في الحركة الاسلامية غرته قوة السلاح الذي يحمله، ووفرة المال الذي يتدفق عليه، على الاستهانة بالمخاطر واضفت على افكاره المتطرفة ألقا بدت معه شرعية ومشروعه وفضلا عن ذلك ممكنه .. التحقيق. وهكذا ما كادت الحرب لافغانية تضع اوزارها، ليبدأ الاقتتال الاهلي بين المجاهدين الافغان على السلطة، حتى عاد معظم العرب الافغان الى اوطانهم، ليردوا التحية للانظمة التي يسرت لهم سبل التطوع باحسن منها، ويبدأوا حربا من النوع نفسه، الذي تدربوا عليه في افغانستان يمولونها من ارصدة الكفاح التي ربما كانت بعض ماتبرعت لهم بها تلك الانظمة ذاتها، ويستخدموا اساليب القتال التي تعلموها على ايدي ضباط من المخابرات الامريكية على ارض في افغانستان، ويشيعوا الفكر نفسه الذي درسوه في مدارس الكادر التي تعلموا فيها، وينطلقوا من المنطق نفسه، فاذا كان الله قد فتح عليهم بهزيمة الملاحدة السوفييت، فان الانظمة التي تحكمهم، لا تقل عن السوفييت كفرا والحادا، حتى ولو كانوا من المسلمين، اذ لا مسلمين غيرهم، ولا اسلام خارج صفوفهم، والكافر لا يعامل الا بالسلاح، هو مهدر الدم من دون اتهام او دفاع. وحتى لا نظلم نحن العرب انفسنا، ونقلل من قيمة انجازاتنا الحضارية، فان من واجبنا ان نعترف للرئيس الراحل انور السادات بانه ـ قبل الامريكان ـ صاحب الفضل في احياء وتطوير نظرية اللعب مع الارهابيين كوسيلة لتثبيت اركان حكمه، وتلك حقيقة تاريخية، لم يعد احد يجادل فيها، فبعد اقل من عامين على انفراده بالسلطة، بعد انتصاره على الذين كانوا ينازعونه فيها من انصار عبدالناصر، ومع تصاعد المد اليساري الناصري والماركسي، المعارض ـ آنذاك ـ لسياساته الاجتماعية والسياسية ولتحالفاته العربية والدولية، واتخاذه للجامعات ساحة للتواجد القوي على الخريطة السياسية، لم يجد السادات وسيلة للتصدي له، الا الاخذ بمشورة عوراء اشار عليه بها بعض المستشارين غير الاذكياء فبدأ التخطيط لتشكيل جماعات اسلامية من بين طلاب الجامعات، لا لكي تنافس الجماعات اليسارية منافسة سلمية، ولكن لكي تصفيها بدنيا، ووضع بين يديها كل الامكانيات المادية والمالية والادارية التي تمكنها من ذلك، بما في ذلك تحصينها ضد تدخلات ادارات الجامعات ورجال الامن ـ الذين كانوا يعارضون تلك السياسة فضلا عن المطاوي والجنازير والبونيات الحديد. ولم تكد السبعينيات تقترب من نهايتها حتى كانت الجماعات الدينية في الجامعات قد حققت انتشارا واسعا، واصبح استخدام اعضائها للعنف ضد خصومهم السياسيين عملا مشروعا ترعاه الحكومة وتحميه مقابل تأييد هذه الجماعات لسياساتها وعدوانهم على المعارضين لها، ولم تغض اجهزة الامن الطرف عما كانوا يفعلونه فحسب، بل وكفت حتى عن استكمال معلوماتها عنهم، في حمى انشغالها بعدو وهمي هو تصفية فصائل اليسار والتصدي للناصريين الماركسيين. وفي خلال ذلك، كان القليل من اعضاء هذه الجماعات، قد انضموا للتيار المعتدل في الحركة الاسلامية الذي تمثله جماعات الاخوان المسلمين، بينما توزعت اغلبيتهم بين الفصائل المتشددة والمتطرفة، التي تكفر الحاكمين والمحكومين وتدعو لاستخدام العنف ضد الدولة والمجتمع، اذ كانت هذه الفصائل اكثر جاذبية لهم ليس فقط بحكم السن، ولكن كذلك، لان العنف كان اولى الخبرات السياسية التي تلقنوها كما كان التطرف كل ما عرفوه عن الاسلام. وجاء الوقت الذي كان لابد فيه ان ينفض هذا التحالف الشرير، حين قامت الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، ليتخذ الرئيس السادات موقف العداء الكامل لها، لاسباب بعضها شخصي يرتبط بالصداقة الوثيقة التي كانت تجمعه بشاه ايران، والآخر سياسي يتعلق بتحالفاته الدولية مع الولايات المتحدة الامريكية، بينما ايدتها الجماعات الاسلامية ـ خاصة المتشددة ـ باعتبارها نموذجا للدولة الاسلامية التي يسعون لبنائها. وهكذا انتقل الاسلاميون المتشددون من التحالف مع ادارة السادات الى موقف المعارضة له ـ تماما كما انفض التحالف بين المخابرات الامريكية والمجاهدين الافغان في اعقاب انسحاب السوفييت من افغانستان، ثم انحسار الخطر الشيوعي نهائيا بعد سقوط المنظومة الاشتراكية، وانتهاء الحرب الباردة ـ وآن للطرفين ـ ولغيرهما من الاطراف العربية التي ساهمت في تشكيل فيالق الافغان العرب ـ ان يدفعوا ثمنا باهظا لهذه اللعبة الخطرة مع الارهابيين. وحدث ذلك الذي يعرفه الجميع: اغتال المتشددون الاسلاميون في مثل هذه الايام منذ عشرين عاما، حليفهم انور السادات وهو يجلس بين اركان دولته في عرض عسكري لجيشه الذي قاده لتحقيق اكبر انجازات الامة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى يد مجموعة تنتمي الى التيار الذي كان السادات صاحب اكبر فضل عليه ربما في كل تاريخه، في مشهد لا يقل اثارة .. ومأساوية، عن مشهد ضرب برجي مركز التجارة العالمي، ومبنى البنتاجون. وفيما بعد عاد الافغان العرب، الى البلاد التي صدرتهم الى افغانستان، ليرودا اليها التحية باحسن منها، لينتشر العنف، ويتسع نطاقه، ثم يصل الى ذروته في احداث الثلاثاء الدامي، حيث وجهت الضربة الى قلب «الراعي الرسمي» الذي يعود اليه اكبر الفضل في تأسيس منظمتهم وفي رعايتها، وفي تمويلها! من حقنا الآن ان نقول ان الارهاب عفريت قد تستطيع ان تطلقه من القمقم، لكنك لا تستطيع ان تعيده اليه، ومن واجبنا ان نتساءل: هل كان هناك بديل؟ والاجابة: نعم. كان باستطاعة الرئيس «السادات» ان يطرح مشروعه السياسي المناقض لمشروع عبدالناصر، للمناقشة السياسية الديمقراطية بينه وبين الناصريين واليساريين، ومن المؤكد انه كان سيجد متحمسين له، يدافعون عنه باساليب ديمقراطية، وعبر مناقشة عقلانية، خاصة ان هذا المشروع ـ بصرف النظر عن رأينا فيه ـ لم يكن عديم الانصار، اذ كانت هناك اقسام ليست قليلة من النخبة المصرية بل ومن الجماهير ـ كذلك ـ تؤيده، ولو انه كان قد اتبع هذا الاسلوب، لما نجا فحسب من الاثار المدمرة، للاسلوب الخاطئ الذي سار فيه، وجلب عليه وعلينا كوارث، لم تقتصر فحسب على اغتياله، وتصاعد موجة العنف، بل وحالت ـ كذلك ـ دون تطوير افكار التيارات السياسية المتصارعة، في اتجاه ديمقراطي صحيح، ودون اعتراف كل منها بالاخر، او الالتزام بالدفاع عن حقه في التواجد. وكان باستطاعة الادارة الامريكية التي ربت الافغان العرب ودربتهم، لو كانت مخلصة لشعاراتها الديمقراطية، وزعيمه لما كانت تدعي انه «العالم الحر» ان تشجع القوى السياسية الافغانية على مقاومة النظام الماركسي والوجود السوفييتي الداعم له، في ظل ادعائها الذي كان شائعاً آنذاك، وهو ان الاول نظام شمولي غير ديمقراطي، والثاني تدخل اجنبي في شئون دولة مستقلة، وان البديل عن هذا وذاك، هو اقامة دولة مدنية عصرية وديمقراطية في افغانستان، تعترف بحق جميع التيارات في التواجد السياسي وتحتكم الى صناديق الانتخاب، بدلاً من تصوير الحرب في افغانستان، كما لو كانت حرباً ضد الالحاد، وبدلاً من احتضان المتشددين الاسلاميين واطلاق حريتهم في العمل، ودعمهم على نحو ازدادوا بعده قوة وتشدداً، ليدفعهم ذلك كله الى الانقلاب على الذين اطلقوا عفريتهم من القمقم، فلم يسيئوا فحسب الى انفسهم او الينا، بل اساءوا كذلك الى الاسلام والى التيار الاسلامي نفسه. فهل تكون لطمة 11 سبتمبر 2001 هي بداية النهاية لتلك المناورة الخائبة، المسماه بـ «اللعب مع الارهابيين»؟، ام تكون بداية لفصل جديد، ومختلف عن اللعبة يحتشد فيه العالم ـ تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية ـ لكي يحارب الارهاب.. بالارهاب.. لا بالديمقراطية، فيزداد الطين بللا، ويزداد العالم فوضى! اخشى ان يكون ذلك هو ما يرتب له الآن! اما وقد كثر الحديث عن «الارهاب» ودخل التيار الاسلامي بمختلف فصائله ـ المتشدد منها والمعتدل ـ دائرة الاشتباه، فلا مفر من تذكير الجميع، بأن اتجاه بعض فصائل هذا التيار نحو العنف، كان رد فعل، ولم يكن فعلاً، وتلك حقائق تاريخية يفيد الجميع في هذا المناخ العالمي المضطرب ان نذكرهم بها لأن الذكرى تنفع المؤمنين، كما تنفع الذين يديرون سياسات العالم. والحقائق التاريخية الثابتة تقول ان كبرى الحركات الاسلامية في القرن الماضي، وهي حركة الاخوان المسلمين، ظلت طوال السنوات العشر الاولى بعد تأسيسها، تتبع اساليب الدعوة والوعظ والارشاد، وغيرها من الاساليب السليمة، من دون اي اهتمام جدي بالسياسة، الى ان نشبت الثورة الفلسطينية الكبرى في عام 1936، وبدأت أبناء الفظائع التي يرتكبها المهاجرون الصهاينة ضد عرب فلسطين، تتدفق كما بدأ قادة الحركة الوطنية الفلسطينية ـ آنذاك ـ وفي مقدمتهم مفتي فلسطين الحاج امين الحسيني، يتجولون في انحاء مختلفة من العالم العربي والاسلامي، يطلبون الدعم والمساندة من الحكومات العربية، ومن الهيئات الشعبية خاصة الاسلامية منها، كالشبان والاخوان المسلمين، الذين ساهموا بجهد اعلامي وشعبي في جمع التبرعات لهم، وفي تهيئة السبل امامهم للحصول على اسلحة، يردون بها على ما كان الفلسطينيون يتعرضون له من مذابح يومية. ولأن الحركة الصهيونية، كانت حركة سياسية تخفي اهدافها الحقيقية برداء ديني توراتي متعصب، وتعتمد في حركتها للاستيلاء على فلسطين على عصابات ارهابية سرية، تتخفى وراء احزاب ومنظمات سياسية علنية، فقد كان طبيعياً ان يكون رد الفعل من النوع نفسه، وان تتخذ الحركة الوطنية الفلسطينية من الدين الاسلامي ايديولوجية لها، وان تبحث عن صيغة ملائمة لمواجهة التحدي الصهيوني باساليبه نفسها، ابتداء من السعي لبناء تحالف اسلامي عالمي يدعمها في مواجهة التحالف اليهودي العالمي الذي يدعم خصومها، وليس انتهاء بتشكيل فرق مقاومة تواجه العنف الصهيوني بعنف مماثل، وتتخذ من احزاب سياسية علنية ساتراً لها. في تلك الاثناء تعرضت حركة الاخوان المسلمين لمحاولة انشقاق قام بها فريق من اعضائها من طلبة الجامعة، اعتبروا الدعاية والخطابة وجمع التبرعات لشعب فلسطين لا تكفي لانقاذه مما يتعرض له من اهوال وطالبوا بفتح باب التطوع للجهاد، ومع ان المرشد العام «حسن البنا» ـ الذي كان يرى ان الوقت غير ملائم لذلك ـ نجح في تطويق الانشقاق الذي تطوع زعيمه احمد رفعت للقتال في صفوف الفلسطينيين واستشهد على ارض فلسطين، الا ان الفكرة ذاتها ما لبثت ان تحققت بعد عامين من ذلك التاريخ، اذ بدأ «حسن البنا» ـ واستلهاماً من الاسلوب الذي اتبعته الحركة الصهيونية ـ يفكر في تشكيل جناح جهادي سري، يختار له عناصر يتم تدريبها على اعمال المقاومة السرية، من استخدام الاسلحة والمتفجرات الى التجسس على الاعداء وجمع معلومات عنهم، ومن تضليل قوات الامن، الى استخدام ادوات التنكر. في كل دراسة عن تطور فكرة العنف لدى تيار الاسلام السياسي، سوف نجد دائماً مواطناً أو شأنا فلسطينيا، بل ان منظمة فتح ذاتها بدأت في الخمسينيات كتيار داخل حركة الاخوان المسلمين في غزة، يتزعمه الشهيد «خليل الوزير» ـ ابو جهاد ـ الذي كان من رأيه ان الفلسطينيين في حاجة الى «منظمة وطنية» تقاتل الاحتلال الاسرائيلي تحت شعارات قومية وليست دينية، ليس فقط لكي تحشد في صفوفها كل الفلسطينيين مهما كان دينهم او مذهبهم، او معتقداتهم السياسية ولكن لأن هذه الصيغة كانت كفيلة ـ كذلك ـ بأن تحشد لتأييدهم حكومات عربية، وقوى دولية، قد تنظر الى الطابع الديني للحركة بتشكك لاسباب مختلفة. وهكذا وفي كل انعطافة حادة نحو العنف يتخذها احد تيارات الحركة الاسلامية، سوف نجد دائماً وجوداً فلسطينياً من نوع ما. كان محمد سالم رحال ـ الاردني الفلسطيني الاصل هو الذي اعاد في بداية السبعينيات بعث الفكرة الجهادية، بعد ان تخلى الاخوان المسلمون عن استخدام العنف. ولأن العنف كخلايا السرطان، يتوالد ذاتياً، عبر عمليات الفعل ورد الفعل، فقد كان صعباً ان تتم السيطرة عليه، ليظل في حدود الاهداف التي يفترض انها سامية ومشروعة، وكان لابد وان يأتي الوقت، الذي ينمحي فيه الخط الرفيع بين ممارسته من اجل الدفاع عن قضية عادلة، وبين ممارسته لترويع الآمنين والعدوان على غير المحاربين، واشاعة ا2لخراب والدمار. تلك حقائق تاريخية، قد يفيد الذين يعنيهم الامر ان يتذكروها، ولو انهم فعلوا لادركوا اننا في حاجة الى تحالف دولي من اجل العدل والديمقراطية، هو الوحيد الكفيل بالقضاء على الارهاب، ولأن كل تحالف غيره، لن يكون سوى فصل دام من تلك السياسة الخطرة التي اكتوى العالم بنيرانها، ويوشك ان يكتوي بالمزيد منها، سياسة اللعب مع الارهابيين! كاتب مصري