قد تصلح جراحات التجميل لاعطاء وجه أكثر طزاجة لامرأة حيزبون، لكنها لن تعطيها الروح أو تطيل في عمرها، مجرد رتوش مؤقتة قد تخدع على البعد أو لفترة زمنية محدودة، ويبقى القبح كامنا في الروح، ينفر الآخرين ويقضى في النهاية على صاحبه .. ماذا يجدي تجميل الوجه اذا تقبحت الروح؟ إن مايصلح وصفا للبشر العاديين، يصلح في هذا المجال وصفا لبعض السياسات، فقد ينجح سياسي ماهر، أو نظام سياسي محنك، أن يضع قناعا جذابا كي يخفي قبح وجه سياساته، الا أن المشكلة تكمن في أن الحكم على السياسات لا يستند على الأقوال والتصريحات، وانما على الأفعال والتصرفات، أو بمعنى أدق ليس على شكل تلك السياسات، وانما على موضوعها وجوهرها، فذلك هو بيت القصيد. وحتى لا يكون حديثنا مجردا، فلنأخذ مثلا من الواقع القريب، فسياسة الحكومة الاسرائيلية من حيث الشكل تضع قناعا ملونا براقا يتحدث عن سلام بديع منشود، ورغبة جامحة في تحقيق الأمن، ولكن أي سلام وأي أمن؟؟. السلام الليكودي عبارة عن عملية ترقيع شكلية لاخفاء مضمون توسعي عنصري يهدم اساس عملية السلام وروحها، والأمن الليكودي عبارة عن مبالغات تصل الى حد مطالبة الأطراف الأخرى بحماية الأمن الداخلي في اسرائيل ذاتها، وتدخل هذه المبالغات في اطار عملية الترقيع سالفة الذكر. أي أن السلام في مضمون السياسة الحالية لاسرائيل هو في الواقع تفريغ لجوهر السلام نصا وروحا والأمن هو ورقة ضغط لايجاد المبرر التفريغي لعملية التوسع في بناء المستوطنات، يفرغ قضية السلام من موضوعها الأساسي، فلا يحتاج الامر لذكاء شديد كي يتضح أن صلب المفاوضات وأية اتفاقات سابقة أو محتملة تدور حول الأرض المحتلة، ولا يمكن أن نتصور استمرار عملية السلام بعد أن صادر أحد أطرافها على موضوعها الأساسي. ومن ناحية أخرى فإن المبالغة في تقدير عنصر الأمن في هيكل السلام، تؤدي الى عكس المطلوب من زاويتين: أولا: اذا كان هذا العنصر يمثل قلقا حقيقيا لاسرائيل، فإنه يتحول أو ينبغي أن يتحول الى ورقة ضغط لصالح الطرف الفلسطيني، وليس العكس. ثانيا: انها اشارة للعناصر الفلسطينية التي لا توافق على انه أوسلو «بتصعيد عملياتها لهدم هذا الاتفاق» وهي اشارة أيضا للمتطرفين في المجتمع الاسرائيلي''فهل يتصور أحد أن السياسة الاسرائيلية تعمل لتحقيق أهداف تتعارض بالفعل مع الأمن بمفهومه الحقيقي؟. ولا شك أن الاجابة بالنفي هي الأكثر قبولا، ولكنها في نفس الوقت تؤكد اشكالية الاستناد اليها لأهداف تبريرية في المقام الأول للتملص من التزامات السلام الحقيقية. فإذا كان ذلك كذلك ـ وهو كذلك! فنحن اذن قبالة محاولة تجميلية لسياسة قبيحة، والسؤال الآن هل تنجح هذه المحاولة؟ التاريخ يحدثنا عن محاولات مشابهة، ولدينا لحسن الحظ نتائجها، لقد حاول هتلر أن يستخدم أسلحة تجميلية كثيرة كي يخفي سياساتها القبيحة، وخدعت العالم بالفعل في البداية، وحققت بعض الانجازات لألمانيا النازية، الا أن النهاية كانت كارثة على العالم وعلى ألمانيا ذاتها، نفس القياس يمكن استخدامه لوصف الحرب في فيتنام، وافغانستان وغيرها، فأنت تستطيع أن تخدع الآخرين لبعض الوقت، ولكنك لن تستطيع ذلك بلا نهاية، ثم أن المصيبة هي أن تكون أنت أول من صدق الأكذوبة التي اخترعتها. لقد تحدث كثير من المحللين وبعضهم اسرائيليون وأوضحوا أن شارون يحدث ضررا لاسرائيل أكثر مما كان يمكن للعرب أن يحدثوه، وتلك حقيقة قد لا تبدو على المدى القصير، ولكنها مؤكدة على المدى البعيد، فهو يؤكد بسياساته أنه لا يمكن الوثوق بالتعهدات الاسرائيلية، وانه لا سبيل للتعايش بين العرب واسرائيل، بل انه يعتبر حاليا المعلم الأول لمعارضي فكرة السلام، وهو يزود الجانب العربي الرافض بالذخيرة الكافية لمقاومة الدولة العبرانية. وبافتراض أن السلام سوف يخيم يوما على شرقنا السعيد، وعلى أساس أن السلام لم يدرج بعد في قائمة الغول والعنقاء والخل الوفي، وبتصور أن حكومة اسرائيل سوف تقبل ذات يوم بحقيقة أن السلام أكثر حيوية لها من العرب، وبأن الزمن هو عنصر يعمل في غير صالحها، وبأن منطق التاريخ ولغة البديهيات تؤكد أن الشعب الفلسطيني موجود وسيبقى وسينال حقوقه المشروعة، وبأن اسرائيل أما أن تقبل بكونها احدى دول الشرق الأوسط، أو تصر على الاستمرار كعضو غريب مزروع سيلفظه الجسد الاقليمي إن أجلا أو عاجلا لو تحقق ذلك التصور الذي يبدو مبالغا فيه، فما هي طبيعة السلام المنتظر بين اسرائيل المعدلة وجيرانها العرب في الاقليم؟ يذهب الطموح الاسرائيلي الى أن العلاقات العربية - الاسرائيلية ينبغي ان تتجاوز العلاقات الطبيعية التي تعارف عليها المجتمع الدولي، لذلك فإصطلاح التطبيع Normalization يعني في القاموس الاسرائيل انفتاح الاقليم لاسرائيل بلا عوائق أو حواجز مهما كانت طبيعتها سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو دينية، وبغض النظر عن الحقيقة السياسية التي تؤكد أن العلاقات الطبيعية بين الدول لا تعني انتفاء الصراع الناشئ عن اختلاف المصالح طبقا لظروف وأهداف كل دولة في ادارتها لعلاقاتها الدولية. واذا نحينا جانبا حقيقة أن السلوك الاسرائيلي حتى الآن لا يبرر حجم طموحها، فأنه حتى في أكثر الأوضاع مثالية يستحيل تحقق هذا الطموح حتى لاعظم دولة في العالم، وقصارى مايمكن أن يتحقق هو أن تصبح اسرائيل مجرد دولة أخرى من دول المنطقة بوزن يتناسب مع سلوكها وأسلوب ادارتها لعلاقاتها الخارجية مع باقي دول الاقليم. لذلك أعتقد أن جزءا من مشكلة الحكومة الحالية في اسرائيل والتيار السياسي الذي تمثله هو أنهم يتوهمون أمرين: إن اسرائيل لا يمكن أن تكون مجرد دولة أخرى في المنطقة، وانما هي دولة بشرطة أو .State-Plus. إن دول وشعوب المنطقة لا حول لها ولا قوى سوى الاذعان لهذه الفرضية الخاطئة. وهذا التوهم يصاحبه اغفال للحقائق التالية: إن السلام الطبيعي وان كان يعني انتهاء حالة العداء، فإنه لا يعني بالضرورة القفز الى حالة الصداقة والتعاون التي تحكمها اشتراطات أخرى. إن وزن اسرائيل النسبي في المنطقة قد يؤهلها للعب دور ما يتناسب مع وزنها الذي يستحيل أن يؤهلها لقيادة الاقليم أو التأثير الشامل فيه. إن عناصر القوة الشاملة لا تقتصر على الامكانات العسكرية وحدها، بل أن هذه الامكانات ـ رغم اهميتها ـ هي ذات طبيعة مؤقتة ونسبية، ومن المفروض انعدام تأثيرها في حالة احلال السلام، ويبقى بعد ذلك الثقل الديموجرافي والثقافي والامكانيات الاقتصادية الموجودة والمحتملة. إن أمن الاقليم هو وحدة لا تتجزأ، ولا يمكن أن يتحقق الأمن الكامل لوحدة من وحداته على حساب وحدات أخرى، كما أن عدم الاستقرار في وحدة ما يؤثر في باقي الوحدات بشكل يشبه لعبة الدومينو أو مايسمى Domino Effect. إن هذه المنطقة، شأنها شأن أية بقعة جغرافية في العالم، بها مايسمى الدول المفتاح أو Key Countries وهذه التسمية تعكس بالفعل حقيقة تاريخية وجيو استراتيجية مفادها باختصار أو الولوج الى الاقليم لا يتم الا من بوابات هذه الدول. وأخيرا فإن اغفال ما لهذا المنطقة من ميراث تاريخي حضاري وانساني وثقافي، والتعامل معها بمفردات حقبة الفتوحات والكشوف الجغرافية والاستعمار هو أكبر خطايا الفكر الاسرائيلي الحالي. وأخذا في الاعتبار بكل ماتقدم، فليس هناك أدنى شك في أن علاقات اسرائيل بدول الاقليم سوف تكتسب بمرور الوقت خصوصية معينة اذا تخلت عن الأوهام سابقة الذكر، وسلمت بالحقائق التي تتغافلها أو تجهلها أو تتعالى عليها، ذلك أن الجوار الجغرافي له في نهاية الأمر طبيعته الخاصة التي تصبغ علاقات الاقليم البينية بصبغة مميزة تختلف عن العلاقات مع دول من خارج الاقليم، وبهذا الفهم وحده يمكن أن يتحقق حلم الأجيال المتعاقبة بأن يحل السلام أخيرا على أرض الشرق التي سبق لها أن صدرت هذا المفهوم الى البشرية جمعاء. ـ كاتب مصري