لم يعد هناك متسع ليرفل طفل اليوم بالبراءة والشفافية بعد أن داهمت العولمة بيئته وعبثت بكافة مفردات عالمه الصغير. واذا كان طفل الأمس يحسد على سجيته وتلقائيته فإن البراءة المعهودة اصبحت في حكم اليوم سذاجة والبساطة حماقة، فلا عزاء لمن لا يتقن التمرد على طفولته بالتقليعات المستوردة، والنفاق والمجاملة، والتعدي على الآخرين بكلمات جارحة يتلفظها بعض قرناء السوء. لقد أملت علينا العولمة الكثير من مفردات التطور نواكب بها ما وصلت اليه الحضارة الغربية، إلا أنها لم تغفل ان تغدق علينا معها آخر صيحات الانحلال الخلقي والتفسخ، وعددا لا حصر له من الامراض الاجتماعية المستعصية. لقد بات محيط الطفل مشوبا بالكثير من التداخلات تعاملت معه كأي فرد بالغ في المجتمع، إذ لم تخل ألعابه البريئة من مؤامرات الكبار، ولم تسلم براءته من الاستغلال التجاري، ولا حتى ملاعبه من الاغنيات العاطفية التي يتقن ترديدها دون معانيها. وكما نبحث في جيل اليوم الطفولة نفتقد فيه هويته الوطنية، بعد ان اهملتها المؤسسة التعليمية وغيبتها وسائل الاعلام، فلم تعد لهجته محلية، ولم تعد علاقته بالموروثات الاجتماعية قائمة. ان الكثير من شباب الجيل الصاعد يستهجن بعض القيم الاجتماعية والعادات والتقاليد التي تربى عليها آباؤه ويراها غريبة على مجتمعه أو على نطاق محيطه الذي نشأ فيه، فلا يلقي لها أدنى اعتبار بعد أن عقد علاقته بالآخرين على مبدأ المصلحة الشخصية وحسب. فالمناهج المدرسية لا تتوانى عن تلقين الطالب ثقافات دول العالم وتحجب عنه ثقافة وطنه، ولا تقصر وسائل الاعلام المحلية عن الترويج لكافة اللهجات العربية عدا لهجتنا المحلية، ولكل الابداعات عدا المواطنة. وفي بيئة يستعصي على أولياء الامور امر القوامة على ابنائهم، ومواجهة التحديات التي فرضها واقع التطور، في ظل غياب الدور الاعلامي والتعليمي عن مواكبة هذه المتغيرات نأمل ان يتحرك المعنيون بشئون الطفل لانصافه، واستعادة ولو بعضاً من حقوقه المشروعة على كافة القطاعات نصرة لبراءته وتتويجاً لهويته الوطنية.