انها حرب الدوائر المائية المتوسعة والمتداخلة التي تزداد اتساعا وتداخلا كلما توالى القاء الحجارة في الماء. وهكذا لن تعرف الولايات المتحدة كيف تضع نهاية حاسمة للحرب التي اشعلتها في الارض الافغانية.. فهي حرب فريدة من نوعها من حيث اندلاع تداعيات سياسية لن تقل ضراوة عن المعارك الميدانية، وربما يأتي حين من الدهر ـ متى؟ لا نعلم ـ يستذكر فيه الامريكيون ان يوم الاحد السابع من اكتوبر عام 2001 يبدو بالمقارنة اشد حلكة من يوم «الثلاثاء الأسود» الحادي عشر من سبتمبر. قصف مطار كابول ليس الا بمثابة رفع الستار عن مسرح سوف تكتشف واشنطن ان احداثه لن تتوالى وفقا للسيناريو الامريكي، فالى جانب الحضور الحربي الامريكي هناك اكثر من «فرقة» واكثر من مخرج. حتى المشهد الاستهلالي المتمثل في القصف الجوي بقنابل وصواريخ لا تستطيع واشنطن ان تتحكم فيه تماما فسوف ينتشر دمار حتمي قاتل وسط المدنيين الافغان بما ينعكس سياسيا على ادارة بوش بانها ترد على الارهاب بالارهاب، فالمدنيون الابرياء في افغانستان ليسوا اقل آدمية من المدنيين الابرياء الراقدين تحت ركام مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك. وبعد ذلك سوف تنداح الدوائر المائية المتوسعة والهائجة. أولا سوف تضطر حمأة القتال الميداني قوات المعارضة الافغانية الشمالية ومن ورائها روسيا وايران الى الكشف عن اجندتها السياسية وعلى رأسها الاستيلاء على السلطة بالكامل في كابول. وهنا قد يطرأ تطور: فاما ان تغض واشنطن بصرها مكتفية بهدف تعقب ابن لادن للقبض عليه وتدمير معسكراته «الارهابية» .. وفي هذه الحالة تظهر لها افغانستان جديدة تحت سيطرة روسية او ايرانية او روسية ـ ايرانية. واما ان تتخذ موقفا معارضا فتقع حرب داخل حرب طرفاها قوات المعارضة الافغانية من ناحية والقوات الارضية الامريكية الهابطة عبر الحدود من اوزبكستان. ومع فوران هذه الدائرة المائية سوف تتداخل معها الدائرة الباكستانية على صعيدين: على الصعيد الرسمي لن تقف حكومة الجنرال برويز مشرف تتفرج وهي ترى قوات المعارضة من الطاجيك والاوزبيك تغذ السير نحو كابول وجلال اباد لانشاء سلطة افغانية جديدة لا تشارك فيها قومية البشتون، ابناء عمومة الباكستانيين. اما على الصعيد الشعبي فان باكستان سوف تشتعل بغضب عارم ومتصاعد بقيادة «جماعة علماء الاسلام» و«الجماعة الاسلامية» اللتين تنفردان الآن بالشارع الباكستاني وكلما تفاعل القتال على الارض الافغانية في الجوار وازدادت ضراوته وطال امده كلما اتسعت دائرة الغضب الشعبي .. وربما يمتد اللهيب الى المؤسسة العسكرية. والدائرة الكبرى هي بالطبع العالم الاسلامي، والدائرة الاكبر هي العالم بأسره من اقصاه الى اقصاه، ولن يستطيع احد ـ بمن في ذلك جورج بوش ـ ان يتنبأ بردود الفعل وطبيعتها ومدى خطورتها، لكن يمكن ان يقال بصورة تعميمية ان العالم موعود بمفاجآت. لقد اشعلت امريكا حربا لا تشبه ما سبقها من حروب قريبة العهد كحرب الخليج الثانية في التسعينيات وحرب فيتنام في الستينيات والسبعينيات لان حرب اليوم ذات بعد ديني ومهما ادلى جورج بوش من بيانات وتصريحات بأن الولايات المتحدة لا تستهدف العقيدة الاسلامية واهلها فان الشعوب الاسلامية سوف تنظر الى الحملة الحربية الامريكية كحرب ضد الاسلام. من هنا نستطيع ان نتبين مدى المخاطرة الجسيمة التي ركبتها الولايات المتحدة.