ماهي الأسباب الجذرية لظاهرة «الارهاب العالمي»؟ الرئيس الامريكي الأسبق جورج بوش الاب يقول الآن انه ما لم يتم التوصل الى تسوية سلمية نهائية لمشكلة الصراع في الشرق الاوسط تعيد الى الشعب الفلسطيني حقوقه الشرعية فان ظاهرة الارهاب لن تتلاشى. هذا القول صحيح الى حد ما، ونقول «الى حد ما» لان القضية الفلسطينية ليست الوحيدة من نوعها في العالم. هي فقط بؤرة واحدة، رغم انها الابرز، بين عدة بؤر متجددة على ساحة الصراع العالمي. وهذه البؤر المتجددة ليست في حد ذاتها، فرادى او مجتمعة، السبب الجذري لظاهرة العنف العالمي المنظم التي يطلق عليها غربيا اسم «الارهاب». ان السبب الجذري الشامل للعنف العالمي هو بالضرورة ذو طبيعة عالمية، لانه ليس مقصورا على اقليم واحد او امة واحدة سواء من حيث الانطلاق او من حيث الانتشار. ولانه كذلك فانه يصح اعتباره نوعا من العولمة بحيث يمكن ان يقال ان هذا العصر هو عصر الصراع المصيري بين عولمتين متضادتين: عولمة النظام الرأسمالي العالمي وعولمة ضحايا هذا النظام كشعوب وبلدان. بمعنى آخر فاننا بازاء صراع عالمي تاريخي بين شمال العالم الغني وجنوبه الفقير. والحقيقة العظمى الثابتة التي ينطوي عليها هذا الصراع، هي انه بينما تمثل كتلة البلدان الصناعية المتقدمة التي تتكون من امريكا الشمالية واوروبا مضافا اليها اليابان واسرائيل مليارين من البشر على الاكثر، ثلث سكان العالم فقط، فان كتلة شعوب الجنوب بملياراتها الاربعة من البشر تمثل الثلثين. ومع ذلك فان هذا الثلث يستأثر بنسبة 90 في المئة تقريبا من ثروة العالم تاركا للثلثين عشرة في المئة فقط. هذه هي المظلمة الاساسية .. وما عداها فروع وتفاصيل ثانوية .. هي المظلمة التي تنطلق منها ظاهرة العنف العالمية كتعبير عن رفض هذا الظلم الفادح. انظر في التناقض الكامل والحاد في الصورتين صورة الشمال وصورة الجنوب: الاسرة المتوسطة في شمال العالم تتمتع بكل متطلبات الحد الادنى للعيش الكريم من اغذية ضرورية ومسكن صحي وتوظيف مجز ورعاية صحية وتعليم ووسائل تثقيف وترفيه وتأمين ضد البطالة او المرض او الشيخوخة. اما الاسرة المتوسطة في الجنوب فلا حظ سوى سوء التغذية والجوع في بيئة اجتماعية انهارت فيها خدمات العلاج والتعليم مع انتشار البطالة حتى بين الشباب المتعلمين وانتشار الاوبئة بأنواعها. وعلى مدى نصف القرن الأخير باتت التناقضات بين الصورتين اشد بشاعة: فالاغنياء في الشمال يزدادون غنى وتقدما .. والفقراء في الجنوب يزدادون فقرا وبؤسا. وبناء على هذه الحقيقة فانه بينما يتواصل انخفاض متوسط العمر بين شعوب الجنوب يصعد متوسط العمر في الشمال بانتظام. والسؤال الذي يطرح هو: هل جاء هذا التقسيم العالمي بمجرد المصادفة؟ والاجابة هي «لا» عريضة فابقاء التخلف الاقتصادي والاجتماعي وتكريسه بين شعوب العالم الجنوبي استراتيجية ثابتة للشمال لها سياساتها وآلياتها ومؤسساتها المنطلقة من فلسفة «اقتصاد السوق» تلك الفلسفة التي تمثل الوجه العملي لنظام الرأسمالية العالمية. ولكي نتفهم ان هذا الظلم الاقتصادي هو السبب الجذري لظاهرة «الارهاب» العالمية فان علينا ان نستحضر النتائج السياسية المنبثقة عنه. فالانحياز السياسي الغربي لدولة اسرائيل يقصد منه ابقاؤها في حالة تفوق اقتصادي مستديم في منطقة الشرق الاوسط، حتى يتواصل كبت التطلعات والطموحات الاقتصادية للشعوب العربية نحو غد افضل. وصفوة القول اذن ان ما يطلق عليه الارهاب العالمي هو تعبير عنيف عن حالة رفض لنظام اقتصادي عالمي ظالم .. وسوف تبقى هذه الحالة وتتفاقم طالما بقي هذا الظلم.