لا شك أن التصريح الأمريكي الذي أدلى به الرئيس جورج بوش الابن، في ظل هذه الظروف الخطيرة التي تنبئ ببدء حرب مبهمة في المنطقة بخاصة والعالم بعامة، قد فتح الباب أمام سجالات وتوجسات وتساؤلات عند كل الأطراف المعنية بهذه القضية دون استثناء. ولعل جملة هذه التوجسات والتساؤلات المرتكزة إلى تاريخ من التشكيك بنزاهة الموقف الأمريكي فيما يخص هذه القضية، قد أفرز وجهتي نظر عند هذه الأطراف المتوجسة .بالمقابل عبر، أو بالأحرى أكد عن وجود اتجاهين سياسيين في المطبخ السياسي الأمريكي رغم المسافات الضيقة التي تفصل بينهما، لدرجة ذهب البعض إلى اعتبار، أن هذه المسافات مجرد شروخ، أو إذا شئت، مسامات مجهرية ليس لها ما يؤكدها، أو يحققها على أرض الواقع المعاش، قياساً بجملة المواقف المتخذة من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، اللذين دأبا على تجاهل كل ما من شأنه أن يمس اسرائيل ومصالحها إقليمياً ودولياً، بصرف النظر حتى عن النتائج السلبية لهذه المواقف التي غالباً ما تنال من المصالح الأمريكية ومشاريعها الشرق أوسطية. لكن وبعيداً عن المقدمات، يمكننا القول أن تصريحات الرئيس بوش بشأن قيام دولة فلسطينية، ووجهت بوجهتي نظر إحداها مرحبة ومصدقة استناداً إلى الضرورات الأمريكية، التي بدأت تبيح المحظورات بالنسبة للسياسة الأمريكية الضيقة غير المرئية للآخر، على المستوى الدولي بعامة، والشرق الأوسط بخاصة، متجاهلين ما يقال عن قوة اللوبي اليهودي في صياغة السياسات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط، وفعله الداخلي المؤثر الذي يحظى بالكثير من القبول عند كلا الحزبين. أما الأخرى فقد شككت، بكل ما يقال أو يشاع مبررة تشكيكها إلى تجربة سنوات طويلة من التسويف والوعود الكاذبة، التي جرت وما تزال الكثير من المآسي ليس على الفلسطينيين وحدهم، بل وعلى مستقبل العرب شعبياً ورسمياً. لكن الملفت بالأمر، أن ثمة هاجسا قد جمع بين أصحاب الاتجاهين المصدق والمشكك، وقد ظهر هذا الهاجس في كل التصريحات الرسمية التي صدرت عن المرجعيات السياسية العربية، بداية من وزارات الإعلام العربية مروراً بوزارات الخارجية والناطقين الرسميين بأسمائها وانتهاء بالدوائر الرفيعة لجامعة الدول العربية، خاصة وأنها بمجملها اعتبرت ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي، مجرد خطوة بالاتجاه الصحيح .وكأن لسان حالهم يقول، أن تجربتهم المريرة بعد حرب الخليج الثانية، والتي أنتجت مؤتمر مدريد، ما تزال كابوساً يؤرقهم لكثرة ما أنتج من اتفاقيات وتفاهمات، دون الوصول إلى نتائج ملموسة أو مرضية قد يطرحونها إلى الشارع باعتبارها إحدى النتائج المرضية، التي تشرعن ما حصل من انقسام عربي حاد منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، ولا تزال آثارها وفصولها المأساوية بادية للعيان حتى هذه اللحظة التي نعيش، بل تتجدد كل يوم من خلال القصف الأمريكي - البريطاني، لما يسمى بمناطق الحظر الجوي العراقي شمالاً وجنوبا. لكن بصرف النظر عن ما تقدم من وجهات النظر المحقة بطبيعة الحال حتى هذه اللحظة بما تقول وتصرح، يمكننا القول ان الدوائر السياسية المتنفذة في الولايات المتحدة، بما في ذلك اللوبي الصهيوني، أدركت قبل وبعد 11 سبتمبر، أن جملة من المخاطر الكبيرة بدأت تتهدد مصالحها في المنطقة بسبب انحيازها الكلي لإسرائيل، وتجاهل الحقوق العربية والفلسطينية دون مبررات مقنعة، لا على المستوى الحقوقي القانوني التي نصت عليه قرارات الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، ولا على المستوى الأخلاقي المعهود في تاريخ العلاقات بين الدول .وأن جملة هذه المخاطر، لا تتأتى فقط من موقف الشارع العربي والإسلامي العريض كما يظن البعض، بل من تلك القوى التي تسعى للدخول إلى هذه المنطقة من خلال بوابة الصراع العربي ـ الصهيوني، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، باعتبارها كانت ولا تزال بوابة مواتية، ومدخلاً سهلاً، لمن يريد أن ينفذ منها إلى المنطقة .أضف إلى ذلك وهذا هو الأهم حسب اعتقادي، أن الولايات المتحدة إذا ما أرادت أن تؤمن لنفسها ديمومة الصدارة الكونية، من خلال إرساء قيم العولمة، تعتبر المعنية في المرتبة الأولى لحل بعض المشكلات الصراعية المعقدة مثل القضية الفلسطينية التي تعتبر القضية الوحيدة الباقية على المستوى العالمي دون حل، قياساً بالمشكلات المماثلة، والتي لا يمكنها تأجيلها أكثر من ذلك خوفاً من انفلات خيوطها التي ما تزال قادرة بشكل أو بآخر بالإمساك بها حتى هذه اللحظة، وإخماد الأخرى ما أمكنها ذلك في أمريكا الشمالية والوسطى، وقضية كشمير وبعض قضايا الفقر والنزاعات القبلية في القارة الإفريقية. ولعل بعض الدوائر السياسية في اسرائيل كانت تعي منذ فترة لا يستهان بها حقيقة التوجهات الأمريكية، وزادت قناعتها بذلك بعد 11 سبتمبر، فوزير الخارجية الإسرائيلي بيريز، على سبيل المثال لا الحصر، عندما يصرح بأن حكومة شارون تقترب من نقطة الحسم، وأن شارون سيجد نفسه ملزماً باتخاذ قرار حاسم «بعودة اسرائيل إلى الخط الأخضر».منطلقاً من أن شارون لن يتمكن من التهرب من حسم النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني .ومهاجماً بالوقت ذاته - بيريز - قيادات الجيش الذين يقفون في طريق معاودة المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين خاصة نائب رئيس الأركان. وبالتزامن مع تصريحات الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الذي قال فيها، بأن «اقامة دولة فلسطينية مستقلة كان دائماً جزءاً من رؤية الولايات المتحدة للسلام في المنطقة، بشرط ألا يتناقض ذلك مع حق اسرائيل في الوجود» . لم يكن ذلك منة منه بقدر ما أصبح يعي أن المرحلة المقبلة ستزف الكثير من المتغيرات في السياسية الأمريكية الشرق أوسطية والتي ستنعكس سلباً على الغطرسة الإسرائيلية .ولو كان الأمر غير ذلك، مالذي يدفع ذئباً كبيريز، لابداء الكرم غير المعهود، والعطاءات السخية دون مقابل للفلسطينيين. وبعيداً عن ما قد يراه البعض أحلام يقظة،أو أضغاث أحلام، باتت ترى بعض الدوائر الأمريكية المتنفذة، أن الدافع الأول لضرب واشنطن ونيويورك، حتى وإن كانت هذه الأدوات اسرائيلية كما نعتقد جازمين، هي مشكلة الشرق الأوسط، وأصبحت الكثير من الآلات الحاسبة الذكية في أمريكا ترى في تكلفة اسرائيل أكثر من مردودها قياساً بالخسائر التي لحقت بأمريكا مادياً وبشرياً، وأنها باتت ترى هذه الآلات وما تشكل في دوائر صنع القرار ضرورة حل القضية برمتها . أي أننا سنشهد من اللحظة التي أطلق بوش الابن تصريحه، اتجاهين داخل مراكز صنع القرار الأول ينادي بضرورة حل المشكلة بشكل عقلاني على أقل تقدير، والآخر يميني دهري سيقف بكل ما يملك من وسائل القوة والضغط لنصرة اسرائيل، ومنع الاتجاه الأول عن اتخاذ مثل هذه الخطوة، التي تعتبر بالنسبة له خروجاً على المألوف السياسي والاعتقادي .لكن كل هذا يبقى وقفا على مدى جدية المواقف الرسمية العربية بعامة، والفلسطينيين بخاصة، والذي يتطلب منهم ديمومة حالة الاشتباك من خلال فعاليات الانتفاضة، لتكون ورقة ضغط على الإسرائيليين من جهة، وعلى الاتجاه المتصهين داخل دوائر صنع القرار الأمريكي من جهة أخرى، ودون ذلك سنبقى نراوح في نفس المكان كالعادة، لنعود بعد عشر سنوات مقبلة، أو ما يزيد إلى ذات المكان والطاولة المستديرة، التي كنا يوماً قد فتحناً عليها بازاراً لحل القضية ولم نفلح، ولنعود مرة أخرى أيضاً، ونضع كل خيبات أملنا على مشجب أمريكا والغرب، باعتبارهما لم يأخذا بعين الاعتبار قضايانا على محمل من الجد، متناسين أن الحلول لا تأت على الإطلاق عفو الخاطر أو منة من أحد، بل بالجهد والتعب والتضحيات، باعتبارها جزءأ لا يتجزأ من المعركة مع الآخر. ـ كاتب فلسطيني