التحركات العالمية المتتالية والمتضاربة ـ احياناً ـ التي تجتاح الخريطة الدولية تدفعنا دفعاً الى طرح سؤال ملح يعكس حيرة المراقبين من كل الاتجاهات والمشارب على ظهر هذه الارض: هل ما يحدث الآن هو امر طبيعي يمكن متابعته وبحثه وتفسيره من خلال منطق السبب والنتيجة، ومن ثم التنبؤ بأبعاده المستقبلية، واستشراف تداعياته التي يمكن ان تحدث غداً او بعد غد او حتى بعد عشر سنوات.. ام ان هذا الذي يحدث انما هو نهاية للعالم الحالي ليحل محله عالم جديد، في الملامح والجوهر، يختلف مع العالم السابق، بل ربما يتناقض معه، مكوناً صورة اخرى ومفاهيم مغايرة لم يعرفها الناس على امتداد التاريخ البشري؟! وبالنظر الى المتغيرات الحادثة حالياً، نلحظ الكثير من علامات الاستفهام، فالملك عبدالله الثاني ملك الاردن تنقل عنه وكالة الانباء الاردنية الرسمية تصريحه بأن الرئيس الامريكي جورج بوش قد اكد له ان قوات التحالف لن تهاجم العراق، ولكن لم تمر سوى بضع ساعات حتى بثت واشنطن نفياً لهذا الخبر، لتتبعها السفارة الاردنية بنفي مماثل، وبعدها يصرح وزير الخارجية الامريكي كولن باول بأن التصدي للإرهاب سوف يتعاقب على مراحل، وان ما يعد له الان هو المرحلة الاولى فحسب، مشيراً الى انه لن يستثني احداً من مساندي الارهاب في المراحل المقبلة. وتسقط طائرة روسية مقلعة من تل ابيب وعلى متنها 66 اسرائيلياً، عدا افراد الطاقم الروسي وعددهم عشرة افراد، فاذا بالمبادرة الى التلميح بأن وراء الحادث تخريباً ارهابياً، بعد تأكيد استبعاد احتمال اصابة الطائرة بالصاروخ الاوكراني واحتمال ان يكون خلل فني قد الم بالطائرة، التي سقطت في لجة البحر على عمق 1000 متر، وسط يأس من ان تصل اليها يد انسان لانتشال حتى الصندوق الاسود الذي يحمل اسرار اللحظات الاخيرة للطائرة المنكوبة! ومن جهة اخرى، تتدفق المساعدات الانسانية على الشعب في افغانستان، سواء من تبقى في الداخل او اللاجئين في الخارج على الحدود مع باكستان وايران. والذي يلفت النظر في هذه الناحية ان ايران ظلت طويلاً تطالب العالم بالالتفات الى نحو ثلاثة ملايين لاجئ افغاني مشردين على الحدود، دون ان يأبه العالم لنداءاتها. ولكن الان وفجأة تتدفق المساعدات الانسانية، ويتصاعد الحديث عن زراعة الافيون في افغانستان، وتأكيد ان الافيون الذي يوزع في انحاء العالم اغلبه «افغاني»، حتى ان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير صرح امام برلمان بلاده بأن ثلثي المخدرات التي تباع في شوارع بريطانيا مصدرها افغانستان! ومن ناحية اخرى، يطوف السياسيون الغربيون والشرقيون في ارجاء العالم متنقلين من عاصمة الى اخرى في حملات دبلوماسية متزامنة ومتقاطعة لحشد الدعم ورص الصفوف ضد الارهاب من ناحية، ومن ناحية اخرى لتقديم الوعود وتوزيع المغانم على المنخرطين في معسكر المناوئين للارهاب والارهابيين، وفي هذا السياق خرجت من واشنطن اشارات قوية الى نية امريكية في دفع الامور في الشرق الاوسط باتجاه قيام دولة فلسطينية وهو الامر الذي اثار حفيظة رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الذي صرح بأن «استرضاء العرب على حساب اسرائيل امر غير مقبول»، فإذا بردة الفعل الامريكية على هذا التصريح هي مقارعته بتصريح شديد اللهجة في سابقة تحدث للمرة الاولى في تاريخ العلاقة الامريكية ـ الاسرائيلية. ولا يغيب عن اعيننا ايضاً تسابق الخطباء من زعماء العالم مشرقه ومغربه على منبر الامم المتحدة لالقاء كلمات تعكس حرص كل منهم على ادانة الارهاب، انه يمد يد العون والمساعدة للتحالف الذي يجري بناؤه لمحاربة الارهاب والارهابيين، ولا ينسى كل من هؤلاء الخطباء ان يعرض على العالم تصوراته ـ وربما شروطه ـ لكي تدخل دولته في «العالم الجديد» الذي يجري تدشينه الان! الصورة الكلية اذن ان العالم يتوجه الى حرب ربما يعرف متى تبدأ، ولكن لن يعرف بالتأكيد متى تنتهي، فهي ليست حرباً محدودة بأرض معينة او دولة او حتى منطقة محددة، وهي كذلك ليست حرباً بالمعنى التقليدي، حيث تزأر المدافع وتئز الطائرات وتطلق القذائف والقنابل، بل سيكون الى جانب ذلك ادوات العمل الدبلوماسي الضاغطة، التي يضم استخدامها تماسك صفوف التحالف واستقطاب شركاء جدد للانضمام اليه، ولعل الذي يحدث الان من حملات دبلوماسية حاشدة يشبه الى حد كبير ما حدث في اعقاب الحرب العالمية الثانية في سعي حثيث لبناء عالم جديد، مع الاخذ بعين الاعتبار كل الاخطاء التي حدثت منذ ذلك الوقت. ولكن السؤال يظل مطروحاً: لماذا كل ذلك الحشد الكثيف المتزامن مع اصوات النفير التي تكاد تصم الاذان؟ ولماذا تتغير قواعد اللعبة السياسية التي تعارف عليها العالم كله، على الاقل منذ الحرب العالمية الثانية، وهل كل ذلك من اجل القبض على مجموعة (ارهابية)، او حتى قتلها مهما كان عدد افرادها؟ او من اجل تأديب حكومة قبلية فقيرة لا تمتلك من التأثير في العالم الخارجي قيد انملة؟ ام ان هناك اهدافاً اكبر وابعد من ذلك؟ لنبحث في شيء تعارفنا على تسميته ب«العولمة»، فقد انتهى القرن العشرون منذ اشهر عدة، تاركاً خلفه انجازات مهمة ومحورية تركت بصماتها على تاريخ البشر وواقعهم، ومن اهم هذه الانجازات «العولمة» التي تتمثل في مظاهر عدة اوضحها التشابك المعقد للاقتصاد العالمي، حيث لم يعد اقتصاد كل دولة يخصها وحدها، بل اضحى يتجاوز حدودها الجغرافية مخترقاً بتأثيراته حدود الدول الاخرى، وبطبيعة الحال فإن الاقتصاد دائماً يجر وراءه عربة السياسة، التي بدورها لم تعد امراً سيادياً يخص الدولة بمفردها، ولكن اصبح للمجتمع الدولي نصيب في السياسة الداخلية للدول، ولعل هذا التماسك والتشابك هو ما عبرت عنه النظرية المسماة بـ «جناح الفراشة»، التي تذهب الى القول انه لو سقط جناح فراشة في احد انهار امريكا الجنوبية فربما كانت النتيجة زوابع وفيضانات في استراليا او اليابان او الصين! وهو ما يدل على مدى التساند الضخم والاعتماد المتبادل وتشابك المصالح الاقتصادية وغيرها على مستوى العالم، وهذا ما حدث بعد الحادي عشر من سبتمبر الماضي، فنتيجة للترابط الاقتصادي بين ارجاء العالم، وما اوجده من تشابك وسائل الاتصال الحديثة، وجدنا ان الحدث الارهابي الضخم في 11 سبتمبر الماضي، قد اوقف النمو في الاقتصاد الامريكي ـ الذي كان متباطئاً اصلاً ـ فتداعت لهذا الكساد المفاجئ اقتصادات العالم بالحمى، وليس بالسهر فحسب، فخفضت نسبة الفائدة على الاقراض في معظم عواصم العالم، وفقد عشرات الالوف من العمال وظائفهم من الوسط الامريكي حتى ملبورن وطوكيو، وانهارت بورصات العالم خاسرة مليارات الدولارات، وتدهورت اسعار المواد الاولية، في حلقات متصلة من الاستجابات الاقتصادية على مستوى العالم، لاحداث 11 سبتمبر الماضي. ولا شك في ان ما وقع في 11 سبتمبر من احداث في نيويورك وواشنطن، لو كانت تفاصيله وقعت قبل ربع قرن او اكثر قليلاً ، لما استجاب له الاقتصاد العالمي ولا السياسة الدولية بمثل هذه الصورة التي رأيناها في الايام القليلة الماضية، بل لولا شبكة الانترنت بامكاناتها الواسعة لما استطاع الارهابيون تنفيذ العمليات الانتحارية بهذه الدقة والسرية، ولما توجه هذا العدد الكبير من زعماء العالم الى واشنطن لتقديم العزاء والمواساة واظهار المساندة والدعم. انه تشابك المصالح وتقارب المسافات وزوال الانقسام الايديولوجي تقريباً على مستوى العالم، وكذلك اتساع شبكة الاتصالات كماً وكيفاً.. الى آخر ملامح الظاهرة الكاسحة التي تسود العالم، ويطلق عليها المتخصصون «العولمة» التي جعلت الزمن بين حدوث الفعل وظهور الاستجابة له يكاد يتلاشى. هذه الملامح «العولمة» نفسها هي الخلفية لما نراه الان من حشد عسكري دولي، ليس فقط لتنظيف المجتمع الدولي من جذور الارهاب، ولكن ايضاً لوضع ضوابط عالمية جديدة وتشكيل قواعد مختلفة لمعادلات القوى على الخريطة الدولية، وهي ضوابط وقواعد بدأ بعضها يظهر للعلن، بينما تنتظر البقية مخبوءة تحت السطح تتحين اللحظة المناسبة لتطفو فوق الاحداث. ولعل اهم الملامح التي نتوقع ان تظهر لتفرض نفسها على الساحة الدولية، بعد ان تسكت المدافع، ان الدكتاتورية والشمولية هما المرادف الحقيقي للارهاب، وبالتالي سينادي المتضررون من الارهاب بمحاربة الانظمة السياسية التي تنتهج الديكتاتورية اسلوباً للحكم. ولعل هذا ما حدا وزير الخارجية الامريكي وغيره من السياسيين الغربيين على التحفظ في الكشف عما سيقررونه في المستقبل! فالواضح ان مجموعة الدول التي تتولى قيادة العالم ستضع شروطاً صارمة من اجل ضمان الاستقرار في العلاقات الدولية، ومن هذه الشروط ان تكون الحكومات قادرة على تقديم الخير لشعوبها، وصيانة كرامة مواطنيها، والدول التي لن تحقق هذه الاهداف ستعد مارقة في نظر المجتمع الدولي، ليس بالمعنى السياسي او الامني، ولكن بالمعنى الحضاري، الذي تجري صياغته الان، خاصة بعد ان ظنت الدول الكبرى لفترة طويلة ان تجاهلها للمشكلات الساخنة البعيدة عنها جغرافياً، يوفر عليها الكثير من الخسائر والمخاطر. والان، وبعد كل ما حدث رأت هذه الدول انها كانت على خطأ، وانها لا تعيش بمعزل عن المشكلات الدولية وان ابتعدت جغرافياً عن حدودها، لأن العالم قد اصبح صغيراً جداً بما يجعل الكرة الارضية مجرد قارب نعيش فيه جميعاً. ومن ثم فإن اثار المشكلات الدولية وتداعياتها ستنسحب ـ باليقين ـ على الدول الكبرى مهما تباعدت حدودها، ولذلك لم يعد ممكناً، في ادارة الازمات الدولية، ان تترك الدول الكبرى الفاعلة في العالم مشكلات الدول الصغرى حتى تحل بفعل الزمن، مع التحكم فيها من بعد كي لا تتسع دائرتها، بل يتعين على الدول الكبرى ان تبذل اقصى ما تستطيع من جهد، لحل هذه الازمات، وبذلك تثبت هذه الدول احقيتها في قيادة العالم. ومن هذه الناحية تأتي المفارقة في تقديم الدعم لافغانستان، بيد، بينما اليد الاخرى تعمل من اجل التخلص من النظام الطالباني الحاكم على اراضيها! مثلما كان من نتائج انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية انهم تبوأوا قيادة العالم منذ 1945 حتى الان عن طريق حيازة المقاعد الدائمة في مجلس الامن بقيادة الولايات المتحدة، بينما حرمت الدول المنهزمة مثل اليابان والمانيا من هذا الحق حتى الان.. فإن المشاركين في هذا التحالف الذي يبني الان لمحاربة الارهاب، هم الذين سيشكلون القيادة الجديدة للعالم ما بعد «الانتصار على الارهاب»، ومن هنا فانه، حتى الدول التي تمنعها دساتيرها من المشاركة العسكرية، سعت الى تغيير هذه الدساتير لتتمكن من المشاركة في هذا التحالف الدولي الذي يقوم على نبذ الارهاب واجتثاث جذوره، وينتهج مبدأ ان المشاكل ـ مهما كانت جسيمة ـ قد وجدت لتحل، ولم توجد لتبقى! وهنا يمكننا قياس مدى قصور النظر السياسي لدى العرب في مجموعهم، فيما يتعلق بالتلكؤ ووضع الشروط من اجل الدخول في التحالف، وكأنهم لا يعرفون من خلال مسيرة التاريخ ان هذا التحالف هو الذي سيقود العالم في العقود المقبلة. واذا كان بعض العرب (البعض فقط) قد وجدوا ان الحكمة تتمثل في الانخراط في هذا التحالف والانضواء تحت لوائه، فإن البقية قد وقفوا امام البوابة الواسعة، مكتفين بالنظرة الحائرة يمنة ويسرة، وكأنما شيء ما يمنعهم من الدخول، ليضيفوا خسارة جديدة الى سجل خسائرهم المملوء بالصفحات. فهل يسرع العرب الى ادراك جوهر التغيرات الكبرى التي سترسم وجه العالم في المستقبل القريب؟! ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت