في أربعينيات القرن الماضي أخرج محمد عبدالوهاب للناس أغنية قصيرة ـ طقطوقة كما كانوا يسمونها ـ مطلعها: الدنيا سيجارة وكاس.. يا ويل اللي فاتوه الناس. يومها قال الراوي: استقبل المطرب الكبير وفداً من شركة «مكلونيان» ذات الاسم الأرمني الذي لا تخطئه الأذن، وكانت وقتذاك كبرى شركات صناعة السجائر في مصر.. وقيل ان «الجماعة» عرضوا على عبدالوهاب كذا ألف جنيه لكي يغير مطلع الأغنية فيصبح مثلاً: «الدنيا سيجارة مكلونيان». وبصرف النظر عن ان المطلع الشعري كان سيتعرض لانكسار الوزن وان الأغنية ذاتها كانت من سخافة المعنى وركاكة المبنى إلى حد ليس بالقليل، وبالمناسبة فقد بادرت الاذاعة الملكية المصرية وقتها إلى منع اذاعتها وكان ذلك حكماً على الأغنية بالإعدام الفني.. بصرف النظر عن هذا كله، فالحاصل ان عبدالوهاب تغلب فيه ذكاؤه الفني على رغبته التي كانت شهيرة ذائعة في تحصيل الأموال وحب المصاري، فكان ان رفض العرض السخي ولم يقدر للأخوة الأرمن ـ مكلونيان وشركاه ـ ان يذيع اسمهم في مشارق ومغارب الوطن العربي. فنان مبدع آخر هو المرحوم محمد الموجي سولت له نفسه يوماً ان يحدث له حكاية السجاير فأخرج للناس ـ في عقد الستينيات ـ أغنية مطلعها: «فنجان شاي مع سيجارتين ما بين العصر والمغرب» .. ويبدو ان درس عبدالوهاب كان ماثلاً أمامه فلم يقل لعشاق الطرب الشرقي ما هي ماركة الشاي اللذيذ ولا اسم أو هوية السجائر التي تعاطاها المطرب في الساعات البنفسجية، كما يقول شعراء الانجليز، الفاصلة بين العصر والمغرب. مع ذلك فقد ظل الود موصولاً.. ولو من بعيد لبعيد بين عالم الإعلان والترويج التجاري وبين دنيا الفن والأدب والابداع بشكل عام.. ولعل هذا هو السبب في انتشار اسماء المحلات التجارية التي تحمل مثلاً اسم الوردة البيضاء ما بين المكوجي أو الحلاق أو العطارة أو المحامص، صيغة الجموع التي اخترناها لمفرد محمصة عند أهل الشام أو المقلاة ـ المقلة كما يسميها المصريون ـ وكان ذلك منذ عقد الثلاثينيات، أي بعد ان انتج عبد الوهاب وليس غيره فيلم الوردة البيضاء وقام فيه بدور «محمد أفندي» وهو دور البطولة بطبيعة الحال، وكان ذلك عام 1934 أو قبله بقليل. يحوي الفيلم عدداً من أجمل أغنيات زماننا المعاصر، وفي مقدمتها «جفنه علم الغزل» التي كتب شعرها الأخطل الصغير ـ بشارة الخوري شاعر لبنان الكبير وصاغ «سي محمد» موسيقاها الشجية على ايقاع الرومبا الذي كان موضة الاستماع وقتها في أوروبا وهو يكاد يكون أخاً شقيقاً لايقاع شرقي صميم هو «البطابجي» عند أهلنا في المغرب العربي والله أعلم. هي نفس الظاهرة التي وضعت على لافتات المحال وواجهات الدكاكين في أكثر من موقع بالعالم العربي أسماء من قبيل بين القصرين وقصر الشوق والسكرية مقتبسة من عناوين الثلاثية الشامخة الجميلة التي ابدعها العم الكبير نجيب محفوظ وكان ذلك ـ كما لعلك تدري ـ منذ عقد الخمسينيات، وبعده بنحو ربع قرن خرج من العباءة المحفوظية مبدع آخر هو أسامة أنور عكاشة فعاد الناس إلى اطلاق أسماء اعماله على دكاكينهم وخاصة المقاهي ومحلات السمر البريء في أقطار الخليج العربي، وفي مقدمتها طبعاً «ليالي الحلمية» شغفاً باسم المسلسل المتلفز الشهير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. هم الناس الذين يشغفون بما يفعله النجوم والأعيان وما يسلكه المشاهير والأعلام يستوي في ذلك الزعماء وقادة السياسة أو لاعبو الكرة وممثلو السينما وكل من استطاع ان يسجل اسمه في دفتر النجومية من قريب كان أو من بعيد، لهذا اصطنع الأمريكيون في متن لغتهم المعاصرة مصطلح «الدور النموذج» رول موديل بالانجليزية الذي يحتذيه الناس تيمناً بالزعيم ـ النجم أو اللاعب ـ النجم. وفي عشرينيات القرن كانت مجلة «روز اليوسف» ملء السمع والبصر منذ ان انشأتها السيدة فاطمة اليوسف عام 1925، وشاءت تطورات السياسة ان تشن «روزا» كما أصبح الناس يسمونها حملة سياسية هاجمت فيها حزب الوفد وزعيمه الكبير سعد زغلول. وانتظر الناس كيف يكون رد الزعيم على هذا الهجوم، ولم يفعل سعد زغلول شيئًا سوى ان أدلى بتصريح قال فيه: انه لا يقرأ المجلة التي يسمونها روز اليوسف، وفوجئ باعة الصحف في الشوارع وحارات القاهرة ان اعداد المجلة تكدست في بسطاتهم ودكاكينهم وأصبحت روز اليوسف على شفا الافلاس بعد ان امتنع الناس عن شرائها تأسياً بالزعيم سعد زغلول. لقد كان سعد زغلول بصدد قضية سياسية وكان يمكن لمفكر أو فيلسوف أو أي مبدع آخر ان يكون بصدد قضية عقائدية أو فنية أو فكرية وان يدلي برأيه فيها، فيجد من يتبعه وينتهج نهجه وينسج ـ كما يقولون ـ على منواله. لكن تثور المشكلة عندما يكتشف الناس مثلاً ان جناب الزعيم أو سيادة المفكر أو الفيلسوف، قال رأيه وأصدر أحكامه من أجل سواد عيون سلعة بعينها أو ماركة صناعية بذاتها.. ببساطة يصاب خلق الله بالصدمة، وأي صدمة حين يعرفون ان الرأي الذي تصوروه محايداً أو موضوعياً، لم يكن لوجه الله والحق، ولكن لوجه أموال الاعلانات التجارية. ويبدو ان الأمريكيين قد عبروا هذا الحاجز الذي يفصل بين الرأي والإعلان، ميزتهم انهم عبروه بكل وضوح وبغير تزويق للأمر ولا ادعاء، ومع ذلك فمازال أمثالنا لا «يبلعون» بمعنى انهم لا يفهمون مثلاً كيف ان معلقاً اذاعياً مؤثراً ومحترماً هو «تشارلز أوزجود» وهو من أركان مؤسسة «سي. بي. اس» الاعلامية التي تقرب من امبراطورية راديو وتلفزيون، هذا الاذاعي المقتدر يبدأ تعليقه الصباحي اليومي بعبارات وتحليلات عن أبرز قضايا الساعة، يكلمك مثلاً بصوته المميز الجاف العميق عن رأيه في أحدث خطاب لرئيس الدولة أو عن آخر تشريعات أصدرها الكونجرس وان هي الا دقيقة وبضع ثوان حتى يفاجئك بعبارة شهيرة يقول فيها: والآن إليك ما يلي.. وتلك اشارة يمهد بها للاعلان الذي يتخلل تعليقه المحترم الرصين، ومن ذلك مثلاً: إذا اخترت المعاش «التقاعد» المبكر فعليك باختيار بوليصة التأمين عند شركة كذا .. شركة كذا تكفل لك كيت وكيت، هيا.. لا تتردد وقم بزيارتها على الموقع الالكتروني دبليو دوت.. أورج دوت.. إلخ. بعدها مباشرة يعود تشارلز أوزجود في راديو سي. بي اس إلى وصل ما انقطع من تعليقاته العميقة وتحليلاته الدقيقة.. وكأن شيئاً لم يكن، والمشكلة ان يتخلل هذه التعليقات اكثر من إعلان.. والمصيبة ان بعض هذه الاعلانات تكون بصوت السيد أوزجود شخصياً. ويبدو ان الأمريكيين ـ كما ألمحنا ـ لا يندهشون مثل دهشتنا اليعربية من هذا السلوك، تعودوا عليه وألفوه وربما أصبحوا يتوقعونه، ألا ترى إلى رؤساء الجمهورية ـ من ريجان إلى بوش الكبير إلى كلينتون كنا نشاهدهم وهم يلعبون البطولة التمثيلية التي يحكمها جناب المحافظ الذي قد يطلع على مشاهدي التلفزيون وهو في حالة انسجام من صيد السمك في هذه البحيرة أو تلك، أو مرتديا المايوه لزوم السباحة على شواطئ ولايته فائقة الجاذبية.. أو ممتطياً صهوة جواد أو محاطاً بباقة من الحسان، إذ هو في حالة المشاركة في تحكيم ملكات الجمال. وما زالت قضية الاعلان واقتحامه حصون الابداع الادبي والفني، قضية مطروحة، وقد أثيرت عواصف عاتية في عالم الأدب في أوروبا وأمريكا في أوائل سبتمبر الماضي، وكان السبب هو صدور رواية في أكثر من إعلان متلفز يذاع على الشبكات القومية، هم وعقيلاتهم أيضاً، صحيح ان الاعلانات تكون لأغراض عمومية، كأن تحض الناس على شراء السندات الحكومية دعماً لخزانة البلد، أو على التطوع في مشاة الاسطول، المارينز، أو على الانضمام لجمعيات حقوق الحيوان، لكنها في نهاية المطاف إعلانات بكل معنى الكلمة.. وفي هذا السياق أيضاً لا يتورع حضرات المحافظين وهم حكام الولايات الكذا والخمسين عن الظهور في إعلانات تجارية مئة بالمئة، ومبررها انها لترويج صناعة السياحة في الولاية. وفي الوقت نفسه صدرت رواية جديدة في لندن بعنوان أقرب ترجمة له هو «عصبة بولغاري» لواحدة من أشهر الروائيات الكاتبات بالانجليزية وهي «فاي ويلدون» ما حكاية هذه الرواية، ولماذا توقف الناس وخاصة النقاد والمحللين عند عنوانها، ولماذا أشعل هذا العنوان فضلاً عن سطور الرواية ذاتها حرباً بين قبائل النقاد والمبدعين؟ تلك هي محاور حديث مقبل بإذن الله.