رغم مرور ثمانية وعشرين عاما على حرب أكتوبر فما زالت هناك الكثير من الأسرار والتفصيلات لم يكشف عنها بعد غير أن هذه الحرب قد سجلت في التاريخ العسكري لحروب القرن العشرين، على أنها واحدة من أكثر الحروب التقليدية تعقيدا ليس فقط لتمكن الجنود المصريين من عبور قناة السويس التي وصفت بأنها أصعب مانع مائي في العالم ولكن لأنها كشفت حقيقة جيش الدفاع الاسرائيلي الذي لا يقهر ووضعت بالتالي اسرائيل ـ سياسيا وعسكريا في حجمها الحقيقي والصحيح مما يجعلنا نقول وبإجماع خبراء السياسة والاستراتيجية العسكرية أن حرب أكتوبر 1973 قلبت ميزان القوى في الشرق الأوسط لغير صالح اسرائيل. ومن هنا أثبتت الارادة العربية الجماعية التي تجسدت في أعظم لحظات تاريخ الأمة أن جيش اسرائيل ليس سوى أسطورة روج لها الاسرائيليون والقوى الصهيونية في الغرب بعد عام 1967 وصدقها العرب في فترة كانوا يعانون من جراح الهزيمة بعد عدوان يونيو الذي لم يرتق عسكريا الى مستوى الحرب!! ورغم وطأة انتكاسة يونيو فإن جانبها الايجابي هو أنها أيقظت العرب ليواجهوا حقائق مهمة نعرض لثلاث منها بصراحة: (1) قبل 67 هوَّل العرب من قدرتهم وقوتهم التي سوف تمكنهم من سحق اسرائيل وفي الوقت نفسه هَّون العرب من قدرة وقوة اسرائيل واعتقدوا أن اي عدوان اسرائيلي على العرب سوف يتم احتواؤه نظرا للقوة العربية العسكرية والبشرية التي تفوق مثيلتها الاسرائيلية!! (2) بعد 67 أدرك العرب أنهم يتعاملون مع عدو مخادع يمتلك أحدث الأسلحة التي يتلقاها من الولايات المتحدة وتدعمه سياسيا واقتصاديا على اعتبار أن اسرائيل قاعدة متقدمة لها في منطقة الشرق الأوسط وسط ظروف دولية كانت تحكمها آنذاك آليات الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين في العالم. (3) بعد 67 لم يكن أمام العرب غير خيار واحد وهو تجاوز آثار العدوان مما يعني الارتفاع فوق مشاعر الألم والمرارة التي كانت سائدة في الشارع العربي. وباتت مهمة للملمة الذات العربية من المهام الأساسية للعمل العربي المشترك في اتجاه بعث روح اعادة البناء من جديد والاستعداد الشامل للجولة المقبلة بغية تحويل الانكسار الى انتصار!! في ضوء استيعاب هذه الحقائق الثلاث نلحظ أن العمل العربي المشترك اتخذ في الفترة بين 10 يونيو 1967 وحتى 6 أكتوبر 1973 شكلا يميل الى الإنجاز ـ ربما في صمت ـ رغم أن وفاة جمال عبدالناصر في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 مثلت تحديا لم يكن متوقعا للأمة. أن استمرار الاعداد السياسي والعسكري للمعركة المرتقبة التي كان ينتظرها كل عربي من المحيط الى الخليج لم يتوقف بل انتقل حسبما كان مخططا له الى مراحل أخرى حتى جاء يوم السبت السادس من أكتوبر 1973 الذي يعتبر تاريخا فاصلا في النظرة الى الكيان العربي فبعد فترة طويلة أطلق عليها حالة اللاسلم واللاحرب اتخذ الرئيس أنور السادات قرار الحرب وخلال بضعة ساعات فقط عبر الجنود المصريون قناة السويس واحتلوا مواقعهم على الضفة الشرقية لها وأخذوا يطاردون فلول قوات العدو لتطوي صفحة اليأس والاحباط العربيين واستمرت الحرب وحدث ما سمي بالثغرة عندما إدعى الاسرائيليون أنهم ما زالوا يملكون القدرة العسكرية على العبور من شرق الى غرب القناة عند منطقة الدفرسوار والواقع أن هذه الثغرة لم تكن ـ عمليا ـ سوى صحوة الموت ـ اذا جاز التعبير ـ لجيش تفككت أوصاله وبعثرت قواته فأراد أن يفتعل مسرحية هزلية كلفته الكثير وحتى لا ننسى كان أرييل شارون صاحب ومنفذ فكرة الثغرة!! وتم وقف اطلاق النار تحت ضغوط أمريكية بالأساس ودولية بشكل عام بعد ما ثبت أن الاستمرار في الحرب من وجهة النظر الأخرى معناه التهديد المباشر للكيان الصهيوني!! ولا مجال للمناقشة في أن العرب انتصروا لأول مرة في تاريخهم الحديث عسكريا وسياسيا واقتصاديا على اسرائيل في آن واحد رغم ما قيل أنه لو كانت القوات المصرية قد استمرت في تقدمها وعبرت الى مناطق ما بعد المضايق في سيناء وبتنسيق متصل مع الجبهة الشمالية في سوريا حيث أبلت القوات السورية بلاء حسنا في قتالها القوات الاسرائيلية كان يمكن أن يجعل الضربات أكثر ايلاما للاسرائيليين عسكريا وسياسيا ويبرهن على القدرة العسكرية العربية في تهديد اسرائيل ذاتها بوضعها بين فكي كماشة!! على كل حال ما زالت حرب أكتوبر تحتاج الى مزيد من الدراسة والتحليل للخروج بنتائج يتأملها العقل والفكر العربي ولكي يرسم خطاه بنفس روح أكتوبر رغم مضي الزمن والأيام. بعد ثمانية وعشرين عاما يأتي الاحتفال هذا العام بنصر أكتوبر في ظل ظروف إقليمية ودولية مغايرة. ـ على المستوى الاقليمي فشلت عملية السلام تماما في الشرق الأوسط وما زال يتربع على رأس السلطة في اسرائيل ارييل شارون الذي يمثل نظاما فاشيا عنصريا يكره العرب ويرفض السلام شكلا وموضوعا معهم. ـ على المستوى الدولي يعيش العالم حالة من الاستنفار غير مسبوقة استعدادا لمواجهة شاملة ضد الارهاب اتخذت بعد حوادث التفجيرات بالولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ووسط حالة من التوتر والتخبط وانعدام الوزن وجهت أصابع الاتهام الى العرب والمسلمين فالعالم الغربي على مستوى الحكومات بما فيها الادارة الأمريكية تتهم تنظيم القاعدة الذي يتزعمه اسامة بن لادن في أفغانستان وعلى مستوى الشعوب الغربية بما فيها الشعب الأمريكي غير المسلم يتهم العرب والمسلمين بلا تفرقة. بعبارة أخرى أضحت الجماعة الدولية مقبلة على حرب جديدة تقول أمريكا أنها ضد الارهاب ويقول الواقع أنها ضد الاسلام والمسلمين وهنا مكمن الخطورة لأننا سنصبح أمام صراع رهيب غير محدد الأبعاد بين الحضارتين الاسلامية والغربية وعليه تتعاظم المخاطر الاقليمية والدولية التي ترشح أيضا للتزايد بشكل واضح قد يواجهها العالم العربي والاسلامي خلال الفترة المقبلة!! ويمكن القول أن الوضعين الاقليمي والدولي يشوبهما الكثير من الاحتقان في اتجاه تغليب المواجهة. فإقليميا أعلن الفلسطينيون أن الحل الوحيد لردع عصابة شارون وسياساته الارهابية ما زال هو استمرار الانتفاضة التي دخلت عامها الثاني. ودوليا ما زال خطر الانقسام بين المسلمين قائما فهناك خلاف في المواقف بين كثير من الشعوب العربية والاسلامية وحكوماتها حول الموقف من التحالف الذي تريده الولايات المتحدة لضرب ما تعتبره بؤرا للارهاب في العالم الاسلامي والعربي وهناك خلاف آخر في مواقف بعض الدول العربية والاسلامية من تفسير الارهاب وكيفية مواجهته هل ستتم في اطار العباءة الأمريكية أم تحت مظلة الأمم المتحدة؟ وهل من الأفضل للدول العربية والاسلامية عدم التمرد على الولايات المتحدة أم من حقها أن تكون لها مواقفها المستقلة وألا تنساق وراء غريزة الانتقام الأمريكي؟! الثابت أن جميع الدول العربية والاسلامية تدين الارهاب وتطالب بملاحقة الارهابيين بغض النظر عن دينهم أو جنسيتهم معنى ذلك أن على الولايات المتحدة أن تعيد صياغة مواقفها وتراجع سياساتها التي تشجع اسرائيل على ممارسة ارهاب الدولة ضد الشعب الفلسطيني. بعبارة أخرى أنه يجب التعاطي مع ظاهرة الارهاب بشكل كلي وأن تطبيق سياسة المعايير المزدوجة في هذا الشأن غير مجدية وستخسر من ورائها الولايات المتحدة!! لقد حاولت اسرائيل الاستفادة من أحداث يوم الثلاثاء الدامي في أمريكا بتأليب العالم على العرب والمسلمين ففي أعقابها مباشرة وقف شارون يصف نفسه أنه مع أمريكا والدول المتحضرة يمثلون قوى الخير في العالم ضد قوى الشر متمثلة في كل ما هو غير اسرائيل وأمريكا والدول المتحضرة الغرب !!فمن الواضح أن شارون أرادها حربا بين ما أسماه بقوى الخير وقوى الشر التي يرى أنها ليست سوى العرب والمسلمين!! خلاصة القول.. إن مقولة إن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب التي قالها ذات يوم الرئيس الراحل أنور السادات أصبحت بعد كل ما تقدم محل اعادة نظر بعدما أدرك العرب للمرة المليون، في تاريخهم أنه لا أمن ولا أمان مع اليهود وأن اسرائيل لم تغير سياستها قط منذ أن جنح العرب للسلام التي أصبحت أجواؤه ملبدة بالغيوم التي تنذر بالمزيد من الأعاصير في مناخ عالمي غير مستقر!! ولعل استرجاع دروس حروب أكتوبر تكون سبيلا لفهم مغاير لحركة الأحداث اليوم ومعرفة الى أين تتجه ومن هو المستفيد من تداعياتها؟!!! كاتب واعلامي مصري