من بين 15 دولة أوروبية تسلمت مذكرة «الأدلة» الأمريكية بشأن الادعاء الأمريكي بأن جماعة أسامة بن لادن متورطة في أحداث الثلاثاء 11 سبتمبر، لم تشأ ان تعلّق على محتويات المذكرة إلا دولتان ـ فرنسا واليونان ـ إذا استثنينا بريطانيا التي أخذت على عاتقها مهمة «مدير العلاقات العامة» للبيت الأبيض. ومن بين سبع دول عربية وإسلامية تعتبر دولاً حليفة للولايات المتحدة لم يصدر تعليق إلا من باكستان. وربما يؤشر هذا الموقف الجماعي السكوتي وحده الى مدى «قيمة» الروايات التي حفلت بها المذكرة الأمريكية مما تعتبره واشنطن «أدلة» تدمغ ابن لادن، وبالتالي حكومة طالبان الأفغانية التي تستضيفه وترفض تسليمه. حتى التعليقات الصادرة عن فرنسا واليونان صيغت بألفاظ منتقاة بعناية فائقة، لا تنم بحال من الأحوال عن قناعة حاسمة وقاطعة بأن ما تحويه المذكرة الأمريكية يمكن أن يعتبر أدلة بالمعنى القانوني الصارم. التعليق الباكستاني هو الوحيد الذي يعكس قبولاً تاماً للمذكرة. فقد جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية ان محتويات المذكرة «تؤمن قاعدة كافية للملاحقة القضائية» بحق أسامة بن لادن. غير أن هناك أمرين ينسفان مصداقية هذا الاستخلاص الباكستاني الرسمي: أولاً: ان الحكومة الباكستانية طالبت سلطات طالبان رسمياً بتسليم أسامة بن لادن، وألحّت في الطلب قبل أن تتسلم إسلام أباد أية أدلة من واشنطن، مما يعني أن باكستان اتخذت سلفاً، لأسباب سياسية، موقفاً لصالح الولايات المتحدة بغض النظر عن مدى قانونية أو عدم قانونية طلب تسليم ابن لادن. ثانياً: إذا افترضنا أن المذكرة الأمريكية الأخيرة «تؤمن قاعدة كافية للملاحقة القضائية» ضد ابن لادن، فلماذا ظلت واشنطن ترفض على طول الخط التجاوب مع المطلب الأفغاني بإرسال ملف قضائي متكامل إلى سلطات طالبان كما تقضي مبادئ القانون الدولي في مثل هذه الأحوال؟ واستطراداً من هذا السؤال، لماذا عزفت واشنطن عن إرسال نسخة مذكرة «الأدلة» الأخيرة إلى سلطات طالبان، بينما أرسلت نسخاً إلى حكومات أخرى علماً بأن طالبان هي الطرف الأصلي المعني بالأمر؟ في تبرير عدم ارسال نسخة من «الأدلة» الى طالبان قالت الحكومة الأمريكية إن المذكرة تتضمن معلومات استخباراتية سرية لا تريد واشنطن أن تقع في أيدي طالبان حتى لا تستفيد منها في معرفة مصادر هذه المعلومات. وإذا استحضرنا في أذهاننا أن نسخ المذكرة أرسلت الى أكثر من عشرين دولة فإن التبرير الأمريكي لاستثناء طالبان يبدو مضحكاً. فكيف استوثقت الإدارة الأمريكية من أن محتويات مذكرة تتلقاها عشرون حكومة أو أكثر لن تتسرب الى سلطات طالبان في عصر تجارة المعلومات؟ وفي كل الأحوال فإن السؤال يبقى: هل هي مذكرة قانونية أم مذكرة سياسية؟ بكلمات أخرى هل البنود المعلوماتية التي تتضمنها هذه المذكرة حجج قانونية محكمة ومبنية على اثباتات صلبة ومباشرة مستخلصة من عملية تحقيق قضائي تفصيلي، أم هي روايات سماعية وقرائن متهافتة قابلة لألف تفسير وتفسير صيغت بذهنية التحيز السياسي المسبق؟ هذا السؤال يجيب عنه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بنفسه. يقول باول إن من يدرس المذكرة يستطيع أن يرى أن كل خطوطها السردية تقود إلى أسامة بن لادن وشبكة «القاعدة» التي يتزعمها. لكن الوزير الأمريكي سرعان ما يحذر من «رؤية ذلك كما لو كان قضية تنظرها محكمة». وبإيجاز مبسط فإن معنى هذا القول هو أن المذكرة الأمريكية ليست لها قيمة قانونية. ومما يزيد هذه الحقيقة تأكيداً قول باول في السياق نفسه إنه «بمرور الوقت سوف تظهر معلومات كافية لإقناع الشعب الأمريكي». وهكذا تؤكد الإدارة الأمريكية على لسان أحد أكبر مسئوليها أن المعلومات ـ حتى الآن ـ غير كافية.