حتى الآن أغلب التساؤلات التي تطرح لمقاربة رد الفعل الأمريكي على حوادث الاصطدام المروعة ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع «البنتاجون» في واشنطن، هي من النوع التقليدي، مثل اين ستكون الضربة الامريكية وما الذي سيحدث في حال أخطأت هذه الضربة هدفها ولم تؤد الى اعتقال اسامة بن لادن أو اسقاط نظام طالبان؟ وهل سيقف الأمر عند حدود الرد الامريكي أم سيتعداه الى ردود فعل الجماعات المستهدفة وقيامها بهجمات مضادة تأخذ شكل اعتداءات ارهابية على مراكز ومنشآت حيوية في الولايات المتحدة أو خارجها؟ وفي اطار هذه التساؤلات لا ينسى الكثيرون، وجلهم من مناصري حركة طالبان، التكرار المرة تلو الأخرى بأن افغانستان صمدت في وجه البريطانيين ثم الروس، ويضيفون ان الافعان سيصمدون هذه المرة ايضا في وجه الامريكان! من دون ان يذكروا في الوقت نفسه ان الافغان لا يواجهون هذه المرة الامريكان لوحدهم وإنما جميع دول العالم تقريبا، بما في ذلك الدول التي من المحتمل في الظروف الاخرى ان تقف ضد الولايات المتحدة مثل الصين أو وروسيا أو غيرها. غير انها اليوم قد حسمت خيارها ضد طالبان، وإن لم يكن مع الولايات المتحدة بصورة تلقائية. وبالتالي فالظروف الحالية تبدو مختلفة الى حد بعيد عن تلك التي كانت سائدة أيام التدخل السوفييتي في افغانستان، وليس أدل على هذا من وقوف باكستان نفسها مع الولايات المتحدة ولست أدري كيف سيتصرف قادة طالبان ازاء ذلك كله. لكن اذا صح القول ان هذه هي الشجرة فقط فإن الغابة من حولها تبدو أكبر وأوسع. فقد أثارت التحركات الامريكية منذ الحادي عشر من الشهر الماضي وما صاحبها من زخم سياسي وإعلامي، جملة واسعة من النقاشات استهدفت فرز واعادة النظر في التعريفات والمفاهيم السائدة. تعريف الارهاب فقد أصبح تعريف الارهاب مطلوبا فجأة بصورة ملحة. وثمة من يرى ان مصطلح الارهاب نفسه أصبح عامل اعاقة للجهود الامريكية والدولية لمعاقبة منفذي الاعتداءات، لأنه أتاح مجالا واسعا لاشتغال آلية الجدل والنقاش. وككل التعريفات ذات الصبغة الايديولوجية فإنها تحتمل مذاهب شتى، يمكن ان تتعارض وتتناقض مثلما يمكن ان تتفق وتتماهى. فهل يكون تعريف الارهاب مجرد قتل المدنيين والابرياء؟ أم يجب ان يجري ايضا تعريف هؤلاء المدنيين والابرياء؟ وهل يقتصر الارهاب على استهداف الابرياء بصورة خاصة أم يتعداه ليشمل كل استهداف للابرياء والمدنيين حتى وإن لم يكن هؤلاء مقصودين لذاتهم؟ وهل يستعمل مثل هذا المصطلح في أوقات السلم فحسب أم من الممكن مده الى أوقات الحرب ايضا؟ وما هي الحدود الفاصلة بين كل ارهاب وآخر؟ وهل هناك ارهاب خير وارهاب شرير، أم مفيد وآخر ضار؟ وهل يطلق الارهاب على حوادث معينة أم على مجمل الممارسات والسلوك... الخ. إن هناك جماعات تعتبر الارهاب مرغوبا ومطلوبا في حالات معينة، تعتقد فيها انها لا تتناقض مع أحكام الدين، كما هو حال بعض جماعات الاسلام السياسي.. كما ان هذه الجماعات لا تضع فرقا بين المدني والعسكري في تعريفها لأعدائها، فهي لا تقسم المجتمعات بحسب صلتهم أو قربهم من الجيوش أو بعدهم عنها، بقدر ما تقسمهم على أساس ديني، مثل وجودهم في دار الايمان أو دار الكفر، دار الحرب أو دار السلم... الخ. والمشكلة ان هذه النظرة لا تقتصر في كثير من الاحيان على الجماعات المتطرفة، بل ثبت ان الكثير من الفعاليات الدينية والمجتمعية في بلداننا العربية تتبناها وتؤيدها نظريا على الاقل. ولذلك فإن مصطلح الارهاب يبدو هنا شديد التواضع وعاجزا عن الالمام والاحاطة بالأعمال التي تقوم بها هذه الجماعات. وبالمثل فإن حركات المقاومة والكفاح المسلح ضد الاحتلال أو ما تعتبر انه احتلال، تجد نفسها معنية بهذا الجدل النظري المفاهيمي حول الارهاب. فهنا ايضا يسقط مدنيون وهنا ايضا تقوم هذه الحركات بأعمال تفجيرات وقتل قد يطال كثير منها ابرياء لا علاقة لهم مباشرة بالمعركة. فكيف يمكن الحكم على أعمال هذه الحركات أو تصنيف ما تقوم به في اطار الموقف من الارهاب أو تعريفه. هل يمكن ان يطلق على هذه الحركات تعبير الارهاب، وعلى ضحاياها تعريف ضحايا الارهاب؟ ولكن في هذه الحالة ما الذي سيطلق على سلطات الاحتلال؟ وهكذا فإنه في ضوء الاسقاطات والتنبيهات الكثيرة التي يثيرها مصطلح الارهاب، يبدو من المتوقع ان يجد معارضة شرسة من جانب أولئك الذين يعتقدون بأنه يعيق تحقيق أهدافهم ومصالحهم. هدف جزئي أم شامل؟ كذلك لم يتضح في الدعوة الامريكية ما اذا كان المطلوب هو معاقبة منفذي الاعتداءات فحسب أم تدمير البيئة المنتجة للنفسية التي جعلت تنفيذ هذه الاعتداءات وبالصورة التي تمت بها ممكنة. ان الفارق مهم في الحالتين. فإذا كان المطلوب هو معاقبة المنفذين فحسب، فالأمر ممكن عبر شن بعض العمليات العسكرية، تسبقها وتترافق معها حملة واسعة من المطاردة الاستخباراتية وقطع التمويل والتحكم في التحركات، وفي النهاية عزل المنفذين ومحاصرتهم تمهيدا لسحقهم. أما تدمير بيئة الارهاب، فهذه تبدو عملية معقدة الى حد كبير، عدا انها ليست هدفا عمليا، فالارهاب أو لنقل الرغبة في الانتقام أو ايقاع الخسائر الفادحة في صفوف العدو أو تدمير عناصر قوته ومصادر اعتزازه، لا تنشأ فحسب بفضل الشحن العقلي والنفسي الذي تمارسه لبعض الجماعات. ولكنها تنشأ ايضا بفضل جملة واسعة من العناصر والعوامل المتداخلة. منها ما هو اقتصادي ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو ديني ومنها ما له علاقة بالبيئة الاجتماعية والثقافية. فالينابيع التي تغذي الارهاب كثيرة. وللتعليم والاعلام والتربية والقيم العامة قسط كبير في صياغة الاستعداد النفسي لممارسة الارهاب وتبريره. وليس معروفا بعد كيف يمكن القضاء على هذه الينابيع أو تجفيفها، في الوقت الذي لا توجد فيه بدائل حقيقية للعيش أمام مئات الملايين من البشر، معظمهم في البلدان الاسلامية. إن من ضمن المناقشات التي طرحت حول مستقبل افغانستان ما بعد طالبان في الكونجرس الامريكي ان على الولايات المتحدة ألا تكتفي بارسال مواد الاغاثة للاجئين الافغان، وإنما عليها ان تقدم التزاما واضحا بمساعدة افغانستان على النهوض الاقتصادي والاجتماعي كطريق وحيد للحيلولة دون تحول هذا البلد من جديد الى قاعدة ومأوى للجماعات الارهابية. وما يقال هنا عن افغانستان يمكن ان يقال عن بلدان اخرى. الواقع ان القضاء على الارهاب بصورة شاملة هدف يبدو غير ممكن التحقيق، أما القضاء على أعمال العنف والتهديدات الارهابية المباشرة أو على الأقل الحد منها الى أقل درجة ممكنة، فهو ممكن وان كان يتطلب عملا طويلا وشاقا، لأن من يمارسون الارهاب أو يدعون اليه قد لا يكونون بالضرورة مجرد معادين للسياسات الامريكية، بل ربما كانوا مدفوعين بقناعات ايديولوجية أو دينية، تعتبر ضرب الأهداف الأمريكية جزءا من الخلاص الديني. مع طالبان أم أمريكا؟ ولهذا السبب فإن هناك من يقف اليوم (أو هكذا يعلن على الأقل انه يقف) الى جانب طالبان ضد الولايات المتحدة، رغم ان الأولى لم تقدم له شيئا ذا قيمة وليس بامكانها ان تقدم له شيئا اليوم أو غدا. كما انه ليس في نظام طالبان أو نموذجها ما يغري أحدا بالوقوف الى جانب هذا النظام. أقول مع ذلك فإن جمهورا كبيرا من النخب والعوام ورجال الدين في العديد من الدول العربية والاسلامية، أعلنوا وقوفهم الى جانب طالبان، أو على الأقل تذرعوا بعدم جواز ضرب دولة اسلامية، لاخفاء التعبير المباشر عن هذا التأييد. وهو ما يفسر ان الدوافع هي في الأغلب أكثر من مجرد احتجاج ضد الولايات المتحدة. لهذا فإن السؤال هو: كيف يمكن معالجة هذه الوضعية؟ وكيف يمكن تحقيق نصر في معركة يدور جزء كبير منها في الصدور وفي الاذهان؟ أعتقد ان جهدا كبيرا (سياسيا وتحليليا) ستبذله الولايات المتحدة طوال السنوات المقبلة، للوقوف على حجم موقعها وربما مكانتها في العالم، ولكن بعد ان تنتقم لنفسها مما حدث في نيويورك وواشنطن، وبعد ان تدرأ المخاطر المباشرة التي تشكلها الجماعات الارهابية التي أعلنت واشنطن انها ستشن الحرب عليها. وفي غضون ذلك كله، فإن دول العالم ستنشغل هي الاخرى في جدل لا ينتهي حول تعريف الارهاب ومن هو الارهابي وأين يجب ان تقف منه، وكيف تبعد نفسها عنه. أما الأعمال الحقيقية فهي ستجري في أمكنة اخرى وتحت عناوين مختلفة وبصورة تكشف لنا تدريجيا ملامح النظام العالمي الجديد إن صحت تسميته هكذا. ـ كاتب من البحرين