بعد مرور شهر على الهجمات الارهابية على نيويورك وواشنطن يظل الرئيس الامريكي جورج بوش على احتفاظه بالدعم القوي من جانب نسبة يعتد بها من المشاركين من الامريكيين في استطلاعات الرأى، فقد وافق 87% منهم على مجمل أدائه لمهام منصبه، وأعطى 89% تقديرا ايجابيا لرد الرئيس على الهجمات، وقال 74% انهم واثقون من قدرة بوش على التعامل مع الأزمة المستمرة. وهذا ليس الا جانبا من النتائج التي تتوصل اليها عملية التتبع اليومية لآراء الامريكيين التي يقوم بها معهد زغبي الدولي ومقره نيويورك. وفي غمار قيام المعهد برصد رأي الجمهور على أساس يومي عبر فترة ممتدة من الزمن لتحديد التغيرات في مجمل مواقف الرأي العام، بدأ رصده الأخير بعد أسبوع من هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ارتفاع شعبية الرئيس ولم تكن النسب المئوية التي يحظى بها بوش على هذا القدر من الارتفاع دائما، والحماس الوطني وحده لا يمكن ان يفسر الارتفاع المفاجيء في تأييد الرأي العام لرئاسته. وقبل الهجمات كانت تقديرات الموافقة على أدائه لمهام منصبه تدور في حدود 60%. الأمر المهم لا يكمن في ان تقدير الرئيس قد ارتفع عاليا بعد الحادي عشر من سبتمبر، وإنما في انه احتفظ بمعدل موافقة على أدائه لمهام منصبه يتسم بالارتفاع، وذلك من خلال تقدير ردود أفعاله بعناية وتنسيق تحركاته اليومية. وقد ساهمت زياراته الحافلة بالمشاعر لموقعي الهجمات في واشنطن ونيويورك وتشجيعه القوي لمجتمع الاعمال والامريكيين العاديين على العودة الى العمل وظهوره في المركز الاسلامي في واشنطن وخطابه الذي حظي باستقبال جيد أمام الكونجرس، كل ذلك ساهم في الأخذ بيد الأمة من الصدمة والحداد نحو منهاج واثق ومركز لحسم هذه الأزمة. ويمكن العثور على البرهان على ذلك في استطلاعات الرأي التي قام بها معهد زغبي الدولي، فثلاثة أرباع من تم استطلاع رأيهم يعربون عن اعتقادهم بأن الولايات المتحدة سوف تجد الجناة وما يزيد على 60% منهم يؤيدون شن حرب شاملة على الدول التي تؤوي الارهابيين أو تساعدهم، حتى وان كان مثل هذه الحملة «يشمل تكبد قدر كبير من الخسائر الامريكية». ولكن حتى مع وجود هذا الموقف الحازم، فإن هناك كذلك بعض النقاط التي يغيب عنها اليقين ويعتورها الشك، فعندما سئل من جرى استطلاع رأيهم عما اذا كانوا يعتقدون ان الولايات المتحدة «ستنتزع الارهاب من جذوره وتقضي عليه» رد 43% فقط بالموافقة، وأعرب 47% عن عدم ثقتهم بامكانية القيام بذلك، ويعتقد الكثير من الامريكيين ان الارهاب سيضرب من جديد، والرأي منقسم بشكل متساو حول ما اذا كانت هذه الأزمة ستحلق الضرر بالاقتصاد الامريكي من عدمه (يخشى 48% من ان ذلك هو ما سيحدث، بينما يرى 49% ان هذا الضرر لن يتحقق). وهناك مجال بعينه شهد تغيرا دراماتيكيا وهو ثقة الجمهور فيما يتعلق بنظام النقل والسفر جوا، فبعد الهجمات بوقت قصير أعرب 49% فقط عن ثقتهم بالسفر جوا، وقال 37% انهم يخشون السفر جوا. أما اليوم فإن 66% يقولون انهم يثقون بأمن السفر جوا، وانخفضت نسبة من يخافون من السفر جوا الى 24%. الرأي العام والامريكيون العرب كذلك أثمرت الجهود التي بذلها الرئيس والمسئولون والمنظمات الامريكية العربية، فأفضت الى تحسن في موقف الرأي العام الامريكي من العرب، فبهامشين متقاربين هما 6 الى 1 أصبح للرأي العام الأمريكي موقف مميز نحو الأمريكيين العرب والامريكيين المسلمين. أما المواقف نحو العرب والمسلمين عبر البحار، فعلى الرغم من انها تظل ايجابية، الا انها أقل الى حد ما. ولحوالي 50% من الامريكيين موقف مؤيد من العرب، بينما هناك 26% لهم موقف غير محبذ منهم. والمسلمون في وضع أفضل قليلا حيث تصل نسبة المؤيدين الى 51% ونسبة غير المؤيدين الى 20%. غير ان هذه الأرقام تظل شيئا يعتد به، وهي أعلى بصورة كبيرة من أرقام المواقف الأمريكية من العرب المسجلة قبل عقد من الزمان. ومع ذلك يظل من الضروري القيام بالكثير من العمل لتحسين موقف الرأي العام الأمريكي من العالم العربي. ويمكن كذلك العثور على المزيد من البراهين على التأييد الأمريكي للأمريكيين العرب والمسلمين في الحقيقة القائلة ان الأمريكيين يبدو انهم قد أزعجتهم التقارير التي وردت عن جرائم الكراهية وغيرها من أشكال ردود الفعل الضعيفة ضد الجاليتين كلتيهما، فعلى سبيل المثال يقول 83% انهم «قلقون من جراء المعاملة التي لقيها الامريكيون العرب خلال هذه الأزمة». ويقول 4% انهم بالمثل قلقون من جراء المعاملة التي لقيها المسلمون الامريكيون».. ولكن حتى بهذا التأييد والقلق فإن نسبة يعتد بها هي 38% «تحبذ سياسة تفرض على الامريكيين العرب وحدهم ضوابط أمنية خاصة واجراءات تدقيق في المطارات». ولكي يكون المرء منصفا لابد من القول ان 56% يعارضون مثل هذه الممارسة والتمييز به التي تستهدف الأمريكيين العرب، ولكن الـ 38% الذين يؤيدون مثل هذه السياسة يظلون مثارا للقلق. ويتمثل مجال محدد أثمرت فيه جهود الرئيس الامريكي بصورة جلية في تصميمه على تحديد هذا الصراع باعتباره حربا ضد مجموعة صغيرة من الارهابيين، وليس حربا على الاسلام. ويوافق 86% على ان الولايات المتحدة لا تشن حربا على الاسلام، ولكن ما تظهره استطلاعات الرأي التي أجراها معهد زغبي الدولي كذلك هو ان الامريكيين لايزالون بعيدين عن ان تكون لهم رؤية مستندة الى المعلومات فيما يتعلق بالاسلام، حيث لا توافق أغلبية تصل الى 54% على ان الاسلام يشجع التعصب، بينما يعتقد 28% ان الاسلام يشجعه. وتقول نسبة كبيرة هي 16% انها ليست متأكدة من معلوماتها في هذا الصدد. وهذا يعني ان 44% من الرأي العام إما انه لديه رؤية مشوهة للاسلام أو انه ليس متأكدا فيما يتعلق بطبيعة هذا الدين، الأمر الذي يشير الى مجال يتعين القيام فيه بعمل يعتد به. وهناك مجال آخر يبدو ان جهود الادارة الامريكية تلقى فيه تأييد الرأي العام في منهاجها المتعلق ببناء صرح الائتلاف الدولي، حيث يبدو ان ادارة بوش بعد ان ترددت في ان تصبح مشاركة بشكل جلي في عملية السلام الاسرائيلية ـ الفلسطينية تقوم الآن ببعض الخطوات باتجاه المشاركة في جهد يبذل لدعم عملها المتعلق ببناء صرح ائتلاف في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من العنف المتواصل والمقاومة الجلية من جانب اسرائيل لدعم هذه المبادرة الامريكية فإن الرأي العام يؤيد الطرح القائل ان «التزاما امريكيا بتسوية النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي من شأنه مساعدة الجهود التي يبذلها الرئيس في اطار الحرب على الارهاب وذلك بأغلبية 56% من الموافقين ضد 28% من المعترضين. واذا ما قرر الرئيس بوش القيام بدفعة كبيرة في هذا المجال فإن هذه الارقام سوف تتحسن (حيث ان 16% يقولون انهم ليسوا متأكدين من موقفهم) الأمر الذي من شأنه ان يعطي لبوش تفويضا قويا في أي جهد دبلوماسي يبذله. وعلى نحو لا يختلف كثيرا عما حدث لأبيه قبل عقد من الزمان، فإن الرئيس جورج بوش قد حظي بتأييد قوي من الرأي العام الامريكي وبمقدوره القيام بدوره في قيادة أمريكا ومواصلة تشكيل الرأي العام فيما هو يواصل حملته. وقد سار حتى الآن في الطريق الصحيح، وهو يتبنى نهجا ايجابيا في الجهد الذي يقوم به في تحديد طبيعة الصراع وقد بعث باشارات قوية للامريكيين العرب والمسلمين وللعرب والمسلمين عامة. وينبغي ان يعرف القادة والقائمون بصياغة أفكار الرأي العام من العرب هذا ويتعين ان يواصلوا توجيه جهودهم على نحو ما فعل العرب الذين زاروا واشنطن مؤخرا باتجاه تشجيع هذا الجهد الايجابي والذي يدعم الجانبين وقوامه تعزيز العلاقات الامريكية ـ العربية في اطار مواجهة الارهابيين الذين هاجموا أمريكا. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي