لابد أن نصدق أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ستعلن مشروعا تاريخيا لحل القضية الفلسطينية يؤيد الحقوق العربية ويضمن قيام الدولة الفلسطينية لولا أن أحداث يوم الثلاثاء الدامي التي ضربت نيويورك وواشنطن، قد أفسدت هذه الترتيبات، وإن لم تمنع الرئيس الأمريكي الآن من التصريح بأن الدولة الفلسطينية كانت دائما جزءا من التصور الأمريكي للحل في المنطقة. لابد أن نصدق ذلك لأسباب عديدة أولها أنه ليس من المصلحة العربية إهمال هذه الخطوة الأمريكية، وآخرها أننا في أيام سوداء لا يجوز فيها تكذيب أية كلمة تخرج من فم مسئول أمريكي وإلا أصبحنا في جانب الارهاب، باعتبار أن العالم لم يعد يحتمل الآن إلا خيارا واحدا مع أمريكا أو مع الارهاب، دون أن يكون لنا الحق الطبيعي في أن نكون ضد الارهاب وضد السياسات الأمريكية في وقت واحد. سنصدق ما يقال من أن المشروع الأمريكي كان جاهزا، وكان الرئيس بوش سيفاجئنا ويفاجئ العالم به مع افتتاح دورة الأمم المتحدة التي كانت مقررة بعد أيام من تفجيرات نيويورك وواشنطن التي قلبت العالم كله رأسا على عقب. وسنخفي تساؤلات كثيرة لابد أن تثور عند الذين تساورهم الشكوك في هذا التحرك الأمريكي، والذين يعتبرونه مجرد جزء من إعداد ساحة المعركة للحرب التي أعلنتها أمريكا ضد عدو غامض هو الارهاب، والتي تحتاج فيها الى مساندة العالم العربي والأمة الاسلامية أو على الأقل تهدئة الرأي العام العربي والاسلامي الذي يرى أن اسرائيل هي الارهاب الأكبر وأن دعم أمريكا لها هو الجريمة الأولى التي تستحق الحساب والتساؤلات كثيرة في هذا المجال: فإذا كانت إدارة الرئيس بوش الابن قد امتلكت رؤية ترى وجوب التوصل لتسوية سياسية تلبي طموحات الشعب الفلسطيني وتحقق الأمن في المنطقة، فلماذا تركت الأمور تتدهور على أرض فلسطين، ولماذا تركت اسرائيل تشن حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، ولماذا رفضت ارسال مراقبين دوليين أو أمريكيين لمراقبة وقف اطلاق النار ومنع اسرائيل من مواصلة المجازر اليومية التي تقيمها للشعب الفلسطيني؟ وإذا كان الحل جاهزا عند الادارة الأمريكية، فلماذا فتح البيت الأبيض أبوابه للسفاح شارون الذي استقبلته واشنطن بكل الحماس والترحيب في ثلاث زيارات كان سيلحقها بالزيارة الرابعة في يوم 11 سبتمبر لولا أن نصحته المخابرات الاسرائيلية بعدم الذهاب حرصا على أمنه الشخصي! ولماذا ـ في نفس الوقت ـ رفضت الادارة الأمريكية بإباء وشمم استقبال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات رغم كل محاولات الزعماء العرب لإتمام هذا اللقاء، ولماذا انهالت الاتهامات الأمريكية على القيادة الفلسطينية بأنها المسئولة عن المجازر التي تقيمها حكومة شارون للفلسطينيين؟ وكيف يمكن أن يكون هناك مشروع لسلام عادل دون سماع وجهة النظر الفلسطينية، ودون الوقوف على رأي القيادة الفلسطينية المسئولة، بل وفي ظل اتهامها بالمسئولية عما كانت تسميه الادارة الأمريكية بالعنف الذي لم يكن إلا حرب إبادة اسرائيلية على شعب أعزل إلا من الحجارة! وكيف يتم اعداد مشروع تاريخي لسلام عادل في ظل انحياز أعمى من الادارة الأمريكية لاسرائيل تعدى كل الأعراف وداس على كل القوانين حتى القوانين الأمريكية! لكي يبرر لاسرائيل عدوانها، كما حدث في استخدام اسرائيل الطائرات إف 16 الأمريكية المقاتلة في ضرب الفلسطينيين وتبرير نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني لذلك باعتبار أن اسرائيل تمارس عملا من أعمال الدفاع المشروع عن النفس!! وإذا كان المشروع الأمريكي التاريخي جاهزا منذ فترة، فلماذا كانت الضغوط الأمريكية على الدول العربية لمنع دعمها للانتفاضة، ولماذا كانت الضغوط على دول العالم وفي المقدمة دول أوروبا لضرب أي بادرة تفهم للموقف العربي، ولإجهاض أي محاولة لايقاف العدوان الهمجي الاسرائيلي، ولماذا بلغ الأمر بالرئيس الأمريكي ألا يكتفي بتهديد العرب والمسلمين وأن يمارس كل الضغوط لمنع أية إدانة لاسرائيل في مؤتمر مكافحة العنصرية، بل يطالبنا بعد ذلك أن نعامل اسرائيل بكل احترام! حتى وهي تقتل أبناءنا وتحتل أرضنا وتهدد أمننا؟! التساؤلات كثيرة، ومع ذلك فسوف يتم تجاوزها منا ومن غيرنا، فالمهم الآن أن تطورا إيجابيا قد حدث، وأن الولايات المتحدة حتى ولو كانت الظروف قد اضطرتها اعترفت الآن بما رفضت الاعتراف به طويلا وهو حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وهو الأمر الذي ينبغي البناء عليه، والضغط من أجل تحويله الى واقع على الأرض. والأمر ليس سهلا، والمخاوف ـ بعد التساؤلات ـ كثيرة هي الأخرى. فقد ترافق الاعلان الأمريكي مع ظروف الجهود الحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل بناء تحالفها للثأر مما حدث لها في نيويورك وواشنطن، ولاشك أن الاعلان عن الموافقة ـ ولو ضمنيا ـ على قيام دولة للفلسطينيين تأتي في هذا الاطار، وضمن جهود أمريكا لكسب تأييد الدول العربية والاسلامية وتهدئة الرأي العام فيها والذي لا يرى مبررا لدخول تحالف تصر أمريكا أن تبقى خيوطه كلها في يدها، وأن تحتفظ بالحق كاملا في أن تفعل ما تشاء، وتضرب من تشاء، وفي الوقت الذي يناسبها، حتى ولو كان الثمن وضع العديد من الحكومات في مواجهة شعوبها، وقيادة العالم الى وضع يهدد بصدام أكبر من ابن لادن ومن طالبان ومن هذا العبث الذي يقاد العالم كله لمواجهته. المخاوف كثيرة على مستوى العالم مما يجري، والمخاوف ـ بالنسبة لنا ـ أكبر وأشد خطرا، وإذا كانت خطوة أمريكا الايجابية تجاه فلسطين تفتح أبوابا للأمل في تحرك أمريكي جاد نحو حل عادل، بعد أن أدركت واشنطن أن ترك القضية بلا حل أمر غير ممكن، وأن انحيازها لاسرائيل لن ينتج عنه إلا المزيد من الكراهية لها إذا كان الأمر كذلك فإن ما ينبغي ملاحظته هنا: إن بوش الابن يكرر ما فعله بوش الأب في حرب الخليج الثانية، حين وعد بحل عادل للمشكلة الفلسطينية بعد تحرير الكويت، وانعقد بالفعل مؤتمر مدريد، ثم كانت عشر سنوات من الضياع العربي والفلسطيني جريا وراء تحقيق الوعد الأمريكي الذي تاه في سراديب أوسلو وستوكهولم و.. وكامب ديفيد الثانية التي كشفت عمق الانحياز الأمريكي، وضراوة الاصرار الصهيوني على فرض الأمر الواقع الاسرائيلي. انه حتى بعد أحداث 11 سبتمبر، واعتراف أمريكا بعمق مشاعر الكراهية ضدها في العالم، فقد وقف وزير الخارجية الأمريكي باول وهو أكثر أعضاء الادارة الأمريكية الحالية اعتدالا يعلن للصحفيين أن من بين أسباب الكراهية السياسية الأمريكية موقفها الداعم لاسرائيل ثم يضيف باصرار: ومع ذلك فدعمنا لاسرائيل سيستمر! إن الاعلان عن الحكومة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، ترافق مع أمرين خطيرين يعطيان الخطوة الأمريكية أبعادا هامة. فمن ناحية: كان وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد يبدأ جولة سريعة الى مصر والسعودية والأردن وكازاخستان وسط تنبؤات بأن موعد الضربة الأمريكية قد اقترب! من ناحية ثانية كان تأكيد المتحدث باسم البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي لم يقدم أي تعهد بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تهاجم أية دولة عربية انتقاما لما تعرضت له في أحداث 11 سبتمبر. مؤكدا أن من يوفرون المأوى للارهابيين سيلقون نفس مصيرهم. وكان مسئول أردني يزيد الأمر وضوحا فيقول إن ملك الأردن طلب أثناء لقائه بالرئيس الأمريكي الالتزام بعدم مهاجمة أية دولة عربية، ولكن الرئيس الأمريكي رفض تقديم هذا الوعد! والأهم من ذلك كله أن الوعد جاء عاما ومبهما.. فهو لايلتزم بإقامة الدولة الفلسطينية بل يضع ذلك في الاعتبار كما فعلت الادارات الأمريكية السابقة والتي نعلم مدى التزامها بالحقوق الفلسطينية. ثم.. هو لا يحدد طبيعة هذه الدولة الفلسطينية، ويترك الباب مفتوحا لكل الاجتهادات، وهو يلتزم طبعا بأن تكون هذه الدولة نتيجة المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وهو الأمر الذي دعا الحكومة الاسرائيلية الى الاعلان عن استعدادها للموافقة على اعلان دولة فلسطينية لكن في إطار اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين والجيران العرب!! وربما ستضاف اليها بعد ذلك الدول الاسلامية ليكون الأمر مرتبطا بإبرام الصلح واقامة العلاقات بين اسرائيل وأفغانستان!! إن الأوضاع الآن في منتهى الخطورة، والدول العربية والاسلامية تسير في حقل من الأشواك، ولكنها مع ذلك ما زالت تملك أوراقا هامة في الأحداث الجارية أولها وأهمها إدراك الولايات المتحدة أنها لن تستطيع أن تخوض حربا حقيقية ضد ما تسميه ب(الارهاب) دون مساندة هذه الدول وهي ورقة لابد من استخدامها بأفضل صورة، ودون أي شعور بالذنب عما حدث لأمريكا. ولاشك إن ما يراه الكثيرون من ايجابية في الخطوة الأمريكية الجديدة تجاه الدولة الفلسطينية تحوطه الكثير من الألغام التي ينبغي الاهتمام بها والتعامل بها بجدية حتى لا نكتشف مرة أخرى أننا اشترينا الوهم الأمريكي كما حدث خلال حرب الخليج الثانية، ونتوه بعدها في محاولة تنفيذ الوعود وإرجاع الحقوق بلا جدوى، ونغرق في بحر المفاوضات، ثم المفاوضات حول المفاوضات كما حدث في الرحلة من أوسلو الى كامب ديفيد الثانية. وما يزيد الأمر خطورة إن الأمر هذه المرة لا يقتصر على الخشية من تسويف أمريكي جديد، وإنما يتعداه الى ما هو أكثر فداحة. وهو أن يكون الاعلان الأمريكي مقدمه لإدراج منظمات المقاومة الفلسطينية والعربية ضمن أهداف الضربة الأمريكية ولو في مرحلة تالية! إن الاعلان الأمريكي سوف يكون مبررا للطلب من السلطة الفلسطينية استخدام كل الوسائل لإنهاء الانتفاضة، كما سيكون مبررا ـ بعد ذلك ـ لاعتبار أي عمل من أعمال المقاومة الوطنية للاحتلال الاسرائيلي عملا ارهابيا (من وجهة النظر الأمريكية) وهو ما يجعل منظمات المقاومة الفلسطينية ـ بالاضافة الى حزب الله ـ أهدافا متوقعة للضربة الأمريكية. إن الأمر يستتبع جهدا عربيا واسلاميا لا ينساق من وراء الأوهام، ويدرك حاجة الولايات المتحدة للتحرك على الجبهة الفلسطينية في هذا الوقت، ويستخدم الأوراق العربية ببراعة ودون التفات الى حملة الكراهية التي يتم ترويجها في الغرب ضدنا، ولا الى محاولة تحميلنا مسئولية ما حدث لأمريكا فهي المسئولة لأنها احتضنت الارهاب، وهي المسئولة لأنها سكتت عندما كان سيف الارهاب مسلطا على أعناقنا وبعيدا عنها. وهي المسئولة لأنها تخلت عن المسئولية الأخلاقية التي لا يمكن لدولة كبرى تهيمن على مصير العالم أن تتخلى عنها. إن المطلوب الآن أن يكون الإقرار الأمريكي تجاه فلسطين ملتزما بالشرعية الدولية وقراراتها الملزمة، فتعلن الولايات المتحدة التزامها بقيام الدولة الفلسطينية ضمن حدود الرابع من يونيو 1967، وأن يمتد هذا الالتزام الى كل الدول العربية التي ما زالت تناضل لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي لأراضيها أي الى سوريا ولبنان. ونفس الشئ ينطبق على ما أكده الرئيس بوش وهو يعلن خطوته نحو فلسطين، من أن ذلك مرتبط بضمان أمن اسرائيل، فالمطلوب أن يتم تحديد أي اسرائيل يقصد.. هل هي اسرائيل التي تقوم بتهويد القدس وتبني المستوطنات على الأرض العربية وتحاول السيطرة على منابع المياه العربية، أم هي اسرائيل التي حددتها قرارات الشرعية الدولية. والمطلوب بعد ذلك إيضاحا عربيا رسميا لا يحتمل اللبس ولا التأويل، بأن حق المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي حق مشروع، وأن أي مساس بمنظمات المقاومة تحت زعم أنها تمارس الارهاب سيكون هو الارهاب ذاته، وكذلك أي مساس بدولة عربية تساعد منظمات المقاومة العربية. الخطوط الحمراء ينبغي أن تكون واضحة، وأن يتم الاتفاق عليها اليوم قبل الغد، وبدون ذلك سوف تجد الولايات المتحدة نفسها في صدام مع الرأي العام العربي والاسلامي. وسوف يجد العرب أنفسهم مطالبين بدفع الفواتير عن جريمة لم يرتكبوها، وعن حرب كانوا ـ وما زالوا ـ أول ضحاياها. إن ما حدث في حرب الخليج الثانية ينبغي ألا يتكرر. فالمفروض أننا تعلمنا الدرس ودفعنا تكلفته الهائلة وإذا كنا نخوض الآن ـ مع العالم ـ الحرب ضد الارهاب فنحن العرب والمسلمين الذين اكتوينا بناره سنوات كانت أوروبا وأمريكا فيها تتفرج وتوفر الدعم والملجأ لقتلة السياح في مصر وذابحي الأطفال في الجزائر. الآن يحارب العالم الارهاب الذي نحاربه منذ سنوات، ونحارب معه الارهاب الأعظم الذي تمثله عصابات المافيا التي أصبحت دولة تقتل وتذبح أطفال الفلسطينيين بلا حساب واذا كانت أمريكا تحاول الآن تصحيح موقفها، فليكن ذلك بلا مناورة، ومن الأساس، وباعتراف صريح ومسئول بالحقوق العربية وبالشرعية الدولية. وبدون ذلك سوف يكون الثمن باهظا على الجميع. على أمريكا إذا لم تفعل وتحول حديثها عن الدولة الفلسطينية الى مجرد مناورة لكسب الوقت وعلى العرب إذا لم يتمسكوا بحقوقهم واذا لم يتعلموا من الخطأ الذي كان قبل عشر سنوات، والذي ما زلنا ندفع ثمنه حتى الآن! ـ نائب رئيس تحرير جريدة «اخبار اليوم» المصرية