لعلها المرة الأولى التي يشاهد فيها كل من تابع أحداث الحادي عشر من سبتمبر على الهواء مباشرة امتزاج الأجواء الهوليوودية بالواقع، فرغم ان الغزو العراقي لدولة الكويت، واحتلالها كان حدثاً أقرب ما يكون إلى الخيال منه إلى الواقع وقتها إلا انه لم يخرج عن سياق اجتياح الجيوش للأراضي واعتداء القوي مدفوعاً بغروره وصلفه وحساباته الخاطئة على الضعيف المرتكن إلى وشائج دينية وقيم أخلاقية وعوامل سياسية وعلاقات جوار وقربى لم تفلح جميعها في حمايته من غدر الجار وجبروته وظلمه. الفرق هنا في الأحداث التي حولت أشهر برجين إلى ركام، ودمرت جزءًا من وزارة الدفاع الأمريكية، وخلّفت آلاف القتلى، وأصابت أسطورة أمن المواطن الأمريكي في مقتل، انها ضربة وُجهت من الطرف الأضعف إلى الطرف الأقوى بكل المعايير والحسابات المنطقية التي لا يختلف عليها اثنان، مهما اختلفت درجة علمهما أو جهلهما أو انحيازهما إلى طرف دون آخر، كأنما الكويت هي التي احتلت العراق في المثال الأول الأقرب للأحداث التي عشناها في ذهول غير مصدقين مع الفوارق المعروفة التي لا تخفى على أحد. ولا شك ان الذي اختار العنوان الذي وضعته الـ C.N.N خلال الأيام الأولى للأحداث «America under attack» أو أمريكا تتعرض للهجوم، كان موفقاً وبارعاً إلى أقصى الحدود في إشارته وتلخيصه للموقف، فقد اختار «المانشيت» الأكثر اثارة ومناسبة، واتجه إلى الفكرة التي لا يمكن ان تخطر على بال أحد، وهي ان تتعرض أمريكا لهجوم بهذا الحجم ـ أو أقل منه حتى ـ في وقت بلغت فيه أوج عظمتها وقوتها ودانت لها السيادة والسيطرة على كل العالم بعد ان اختفى عدوها التقليدي الاتحاد السوفييتي وانسحب من الساحة وانتهت باختفائه الحرب الباردة، وقُبرت النظرية الشيوعية تحت ركام الانهيار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي خلفه تفتت الاتحاد السوفييتي وانفراط عقد المنظومة الاشتراكية التي أفقرت الشعوب وأفسدت أنظمة الحكم وبددت الحلم الكبير التي عيّشت فيه طبقات الشعب العاملة المتطلعة للرفاهية ردحاً من الزمن، ليصحو العالم على تحطيم جدار برلين اشارة لنهاية حقبة وبداية حقبة جديدة من الزمن وجد الفلاسفة والمفكرون فيها مرتعاً خصباً لنظرياتهم وأفكارهم وتحليلاتهم التي كان أبرزها أطروحة «نهاية التاريخ» لفرانسيس فوكوياما ونظرية «صدام الحضارات» لصامويل هنتنجتون. تصور «فوكوياما» نهاية التاريخ بانتصار الليبرالية الرأسمالية الديمقراطية على كل شئون العالم بعد سقوط حائط برلين عام 1989، وقال: «ربما كنا نشهد نهاية التاريخ بما هو: نقطة النهاية للتطور الايديولوجي للبشرية وتعميم الليبرالية الديمقراطية الغربية على مستوى العالم كشكل نهائي للحكومة الانسانية.. وللتأكيد فقد تحدث بعض الصراعات في أماكن من العالم الثالث، ولكن الصراع الكبير قد انتهى وليس في أوروبا فقط (وبالتحديد في العالم غير الأوروبي) حيث حدثت التغيرات الكبرى خاصة في الصين والاتحاد السوفييتي. لقد انتهت حرب الأفكار، وقد يظل المؤمنون بالماركسية اللينينية موجودين في أماكن مثل (ماناجوا، بيونج يانج، كمبريدج، ماساشوسيتس)، ولكن الديمقراطية الليبرالية الشاملة قد انتصرت، وسوف يكون المستقبل مكرساً ليس من أجل الصراعات الكبرى الحامية حول الأفكار، بل من أجل حل المشكلات الاقتصادية والفنية المعاشة». ثم ينهي كلامه بأسف قائلاً: «ان ذلك سيكون مضجراً». هذه النظرية أو التصور الذي طرحه «فوكوياما» كان يقوم على افتراض ان انتهاء الحرب الباردة يعني انتهاء الصراع الكبير في السياسة الكونية وظهور عالم واحد منسجم نسبياً.. ولكنه في الواقع أو بالتجربة ـ كما يقول هنتنجتون صاحب نظرية صدام الحضارات ـ كان نتيجة لحظة الشعور بالبهجة في نهاية الحرب الباردة، فقد ولدت تلك اللحظة وهماً بالتوافق والانسجام سرعان ما تكشف انه وهم بالفعل، فقد أصبح العالم مختلفاً في أوائل السبعينيات، ولكنه بالضرورة ليس أكثر سلاماً، التغير كان حتمياً، التقدم لم يكن كذلك. ازدهرت أوهام مماثلة عن التوافق والانسجام في نهاية كل من صراعات القرن العشرين الرئيسية الأخرى، في السنوات الخمس التي تلت سقوط حائط برلين كانت كلمة «المذبحة الجماعية» تتردد أكثر مما سبق على مدى أي خمس سنوات أخرى من الحرب الباردة، من الواضح ان نموذج عالم واحد منسجم بعيد جداً ومنفصل عن الواقع لكي يكون دليلاً مفيداً لعالم ما بعد الحرب الباردة. ولذلك يتجه هنتنجتون إلى ان عالم ما بعد الحرب الباردة هو عالم مكون من سبع أو ثماني حضارات. العوامل الثقافية المشتركة والاختلافات هي التي تشكل المصالح والخصومات وتقاربات الدول. أهم دول العالم جاءت من حضارات مختلفة. الصراعات الأكثر ترجيحاً ان تمتد إلى حروب أوسع هي الصراعات القائمة بين جماعات ودول من حضارات مختلفة، وأشكال التطور السياسي والاقتصادي السائدة تختلف من حضارة لأخرى. القضايا الرئيسية على أجندة العالم تتضمن الاختلافات بين الحضارات. القوة تنتقل من الغرب الذي كان له السيطرة طويلاً إلى الحضارات غير الغربية، السياسة الكونية أصبحت متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات. أخطر وأهم ما في كتاب «صدام الحضارات» هو ما تضمنه الفصل التاسع تحت عنوان «السياسة الكونية للحضارات» عندما تحدث عن الاسلام والغرب قائلا: «يقول بعض الغربيين بمن فيهم الرئيس كلينتون (لم يكن بوش الابن قد تولى الرئاسة بعد) إن الغرب ليس بينه وبين الاسلام أي مشكلة، وإنما المشكلات موجودة فقط مع بعض المتطرفين الاسلاميين. أربعة عشر قرناً من التاريخ تقول عكس ذلك. العلاقات بين الاسلام والمسيحية سواء الارثوذكسية أو الغربية كانت عاصفة غالباً، كلاهما كان «الآخر» بالنسبة «للآخر». ويخلص هذا القسم من الفصل التاسع إلى القول: «المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية بل الاسلام، فهو حضارة مختلفة، شعبها مقتنع بتفوق ثقافته وهاجسه ضآلة قوته. المشكلة المهمة بالنسبة للإسلام ليست المخابرات المركزية الأمريكية ولا وزارة الدفاع، المشكلة هي الغرب: حضارة مختلفة شعبها مقتنع بعالمية ثقافته، ويعتقد ان قوته المتفوقة إذا كانت متدهورة فإنها تفرض عليه التزاماً بنشر هذه الثقافة في العالم، هذه هي المكونات الأساسية التي تغذي الصراع بين الاسلام والغرب». أما في الفصل الثاني عشر والأخير من الكتاب فيتحدث هنتنجتون عن مستقبل الحضارات قائلاً تحت عنوان «حرب الحضارات والنظام»: «إن حرباً كونية تشارك فيها دول المركز في حضارات العالم الرئيسية أمر بعيد الاحتمال، ولكنه ليس مستحيلاً، وحرب كهذه كما أوضحنا قد تنشأ نتيجة تصعيد حرب من حروب خطوط التقسيم بين جماعات من حضارات مختلفة، وتضم على الأرجح دولاً إسلامية في جانب، ودولاً غير إسلامية في جانب آخر، كما ان التصعيد يصبح اكثر احتمالاً إذا كانت دول المركز الإسلامية الطامحة تتنافس لتقديم المساعدة لشركائها في الدين. وتصبح أقل احتمالاً بسبب المصالح التي قد تكون لدول القرابة من الدرجة الثانية أو الثالثة في عدم التورط في الحرب». تُرى.. هل يمكن لنا ان نتساءل: إلى أي مدى تتوافق هذه الفكرة مع صيحات استمعنا إليها من الغرب بعد الحادي عشر من سبتمبر من أعلى المستويات إلى أدناها.. فُسر بعضها بأنه زلة لسان.. وقيل عن بعضها الآخر انه قد أسيء تفسيره وأُخرج من سياقه؟ هذا هو السؤال الذي يجدر بنا ان نبحث له عن اجابة في خِضم الأحداث قبل ان يجرفنا السيل أو يغمرنا ركام الحرب التي لم تعد باردة.