لا تدخل في صفقة مع شخص في عجلة من أمره يعاني ضغطا من طرف آخر. فهو، في سبيل استرضاء الطرف الضاغط لن يتورع عن ان يبذل لك وعودا غالبا ما تكون مجرد كلام. فالرئيس جورج بوش، مدفوعا بالضغط الجماهيري المتعاظم داخل بلاده لاشعال الحرب الموعودة ضد «الارهاب العالمي» بأسرع وقت ممكن، لا يتردد في اعطاء وعود كثيرة للعرب كثمن لدخولهم تحالفا دوليا بقيادة امريكية. هذا هو المغزى الخفي للاقرار الضمني الفجائي الذي صدر عن الرئيس الامريكي بمشروعية قيام دولة فلسطينية. كأن التاريخ يعيد نفسه فاقرار بوش الابن هو اقرار بوش الأب قبل عشر سنوات عندما كان الرئيس الأب منهمكا حينئذ مثل ابنه الآن، في تركيب وبناء تحالف دولي اهم ركائزه العنصر العربي. وبينما كان تحالف الامس بحاجة الى غطاء عربي لانه كان موجها ضد دولة عربية، فان تحالف اليوم بحاجة الى غطاء مزودج، عربي واسلامي، لشن حملة موجهة في مرحلتها الاولى المباشرة ضد بلد اسلامي (افغانستان) وفي مراحلها اللاحقة ضد اهداف عربية واسلامية معا حول العالم. آنذاك، وقبل انطلاق صواريخ كروز وطائرات «الشبح» صوب اهدافها في العراق، بعث بوش الأب بوزير خارجيته جيمس بيكر الى العواصم العربية المترددة ليبلغ كلا منها ان واشنطن تقر اولا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وانها بناء على هذا الاقرار تعد العرب بعقد مؤتمر دولي لحسم «قضية الشرق الاوسط» فور استكمال مهمة تأديب العراق بمشاركة عربية مباشرة في «التحالف الدولي». الآن، وفي مواجهة فتور عربي صوب فكرة «التحالف الدولي لكافحة الارهاب العالمي»، يتذكر الرئيس الابن فجأة قضية الفلسطينيين قائلا ان «فكرة قيام دولة فلسطينية ظلت دوما جزءا من الرؤية الامريكية مادام حق اسرائيل في الوجود محترما» ومن الواضح ان الرئيس الامريكي يرى ان مجرد ان يأتي على ذكر عبارة «دولة فلسطينية»، دون ابداء التزام قاطع ودون الخوض في تفصيل، كاف لاقناع الحكومات العربية بدخول التحالف الدولي ضد الارهاب. هل يعيد التاريخ نفسه حقا؟ نعم .. ولكن مع اختلاف الصورة، لا اختلاف الجوهر. في الحالة الاولى كان الوفاء الامريكي بالوعد شكليا، وبما ان الرؤية الامريكية الى اسرائيل والنفوذ اليهودي في امريكا لم يتغيرا فانه ليس هناك اي سبب يدعونا لتصديق الرئيس الابن. نعم .. رتبت واشنطن في عام 1991 «المؤتمر الدولي» حول «قضية الشرق الاوسط» في العاصمة الاسبانية مدريد. لكن سرعان ما اتضح ان «دولية» المؤتمر ليست سوى صفة احتفالية افتتاحية. فبعد الافتتاح مباشرة ظهر ان العرض كله من تأليف اسرائيلي واخراج امريكي. ابتداء منع الطرف الاصلي صاحب القضية الاصلية ـ اي الفلسطينيون ـ من المشاركة كوفد مستقل .. ومن ثم توالت حلقات المسلسل عبر مفاوضات «المسارات» لتنتهي الى «اوسلو» وما بعدها. وعلى طول الخط وحتى هذه اللحظة ظلت الولايات المتحدة الشريك المتواطيء مع اسرائيل ضد الجانب العربي باسم «الوسيط النزيه المحايد». وعندما بلغ العبث ذروته اشتعلت الانتفاضة. الآن يشرع جورج بوش الابن في نفس اللعبة العبثية من الوهلة الاولى. فما ان نطق لسانه بعبارة «الدولة الفلسطينية» حتى استدرك ليقحم «خطة ميتشيل» كخطوة اولية على طريق المسار التفاوضي صوب محطة الدولة الفلسطينية .. «حتى لا نحرق المراحل»! وهذا بالضبط هو عماد سياسة ارييل شارون .. وهي سياسة تختزل قضية الحق الفلسطيني في مسألة امنية عارضة يطلق عليها «وقف العنف» كاصطلاح شاروني. فهل يلدغ العرب المؤمنون من الجحر مرتين؟