لم يكن أحدٌ من العرب يتخيل أن يتحول «الحلم الأمريكي» إلى كابوسٍ يضغط على صدور وأنفاس العرب في أمريكا، كما هو حاصل في هذه الأيام بعد الهزة الكبرى التي أصابت أمريكا يوم 11 سبتمبر الماضي. كانت أمريكا في القرن الماضي، ولأجيالٍ متعاقبة من شباب العالم، مقصداً لتحقيق ما اصطلح على تسميته بالحلم الأمريكي وكان الشباب العربي يرون في السفر إلى أمريكا حلماً يسعى العديد منهم لتحقيقه بأي شكلٍ من الأشكال. لكنْ ما أصاب أمريكا من فاجعة الإرهاب المدمر يوم 11 سبتمبر جعل «حلم» الشباب العربي يتحول إلى كابوس، خاصةً لمن هم الآن على الأرض الأمريكية. آلاف من الطلبة العرب الذين يدرسون في أمريكا يفكّرون الآن بالبحث عن بلدانٍ أخرى لاستكمال دراستهم عشرات الألوف من العرب الزائرين حقبوا أمتعتهم وعادوا إلى أوطانهم ألوف عديدة من العرب، المقيمين في أمريكا بشكلٍ مؤقت، يدرسون الآن خيار الرحيل عن أمريكا. لكنْ، ما هو مصير أكثر من ثلاثة ملايين أمريكي من أصولٍ عربية، لا وطن آخر لهم غير أمريكا؟ أعداد كبيرة منهم من مواليد أمريكا ولا يعرفون وطناً آخر لهم غير أمريكا؟ بالنسبة لهؤلاء أمريكا ليست حلماً بل وطناً وواقعاً يعيشونه جيلاً بعد جيل. صحيحٌ أن المواقف والتصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي والمسئولين الرسميين ترفض الخلط بين الإسلام والعرب من جهة وبين «الإرهابيين» وجنسياتهم من جهةٍ أخرى، لكن وسائل الإعلام الأمريكية العامة والمحلية تبثّ في كثيرٍ من الأحيان ما هو مصدر خوفٍ وشك وريبة في كل عربي وكل مسلم في أمريكا والعالم. وصحيحٌ أن المجتمع الأمريكي هو نسيج مركب من أصولٍ عرقيةٍ ودينيةٍ متعددة، لكنْ هذا «الموزاييك» هو مصدر خطرٍ وضعفٍ أحياناً، كما هو سبب قوة أمريكا وسلامها الاجتماعي. فالدستور الأمريكي والقانون الأمريكي لا يميّزان على أساس خصوصياتٍ دينية أو عرقية، لكن الإعلام الأمريكي وبعض المؤسسات والهيئات الأهلية المحلية في أكثر من ولاية، يمارسون الآن هذا التمييز ضد العرب والمسلمين، كما مارسه ضد أقليات أخرى في مراحل زمنيةٍ مختلفة. وضع مغاير هل ذلك يعني أنّ العرب والمسلمين في أمريكا هم الآن أمام احتمال تكرار تجربة اليابانيين الأمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية، حينما جرى حجزهم في «معسكرات» خاصة وتم فصلهم عن المجتمع الأمريكي بحجة «حمايتهم» من حالاتٍ عنصريةٍ ضدهم؟ أشكّ في ذلك فأوضاع العرب والمسلمين في أمريكا تختلف عن حال اليابانيين الأمريكيين منذ أكثر من نصف قرن. فالجالية العربية والجالية الإسلامية تنتميان إلى أصول عرقية ودينية متنوعة، إذ أن حوالي نصف تعداد الجالية العربية هم من أتباع الديانة المسيحية، وينتمون في أصولهم الوطنية إلى بلدان لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ومصر والأردن، بينما أكثر من نصف عدد الجالية الإسلامية حوالي 7 ملايين ينتمون في أصول أوطانهم إلى بلدان غير عربية من بلدان آسيا وأفريقيا غير العربية إضافةً إلى عددٍ من الأمريكيين الذين اختاروا الإسلام ديناً لهم ومعظمهم من الأمريكيين السود. إذن، أكثر من نصف الجالية العربية هم من المسيحيين العرب، وأكثر من نصف الجالية الإسلامية هم من أصولٍ غير عربية ولا يمكن وضعهم جميعاً العرب والمسلمين في أمريكا في «سلةٍ واحدة» من الناحتين الدينية والعرقية. قد تحدث إساءات عشوائية ضد البعض كالتي حدثت بعد 11 سبتمبر لكنها ستكون إساءات فردية لا تميّز أصلاً بين عربي وغير عربي، بين مسلمٍ وغير مسلم، بل قد وصلت إلى حد التعرّض إلى أبناء جالية «السيخ» الذين هم من غير العرب ومن غير المسلمين !! لكنْ سيكون صعباً إنْ لم يكن مستحيلاً تكرار تجربة اليابانيين الأمريكيين مع العرب والمسلمين في أمريكا. لقد كانت أمريكا في «حالة حرب» مع اليابان حينما حصل «عزل» الأمريكيين اليابانيين، فهل ستكون أمريكا في حال حربٍ مع أكثر من أربعين دولة عربية وإسلامية؟ كلا، طبعاً. فالعكس هو المتوقع، أي أن تسعى أمريكا إلى إقامة «تحالفٍ دولي» يضمّ أكبر عددٍ من الدول العربية والإسلامية من أجل «مكافحة الإرهاب الدولي» كما حددته أمريكا كهدفٍ لحربها الأولى في القرن الجديد. إضافةً لذلك، من المهم الأخذ بعين الاعتبار، المتغيّرات الدستورية والقانونية التي حدثت في المجتمع الأمريكي خلال نصف القرن الماضي، وكلّها متغيّرات إيجابية تناهض العنصرية والتمييز على أساس اللون أو الدين أو العرق أو الثقافة. وهناك عامل مؤثر أيضاً، هو حجم المصالح الأمريكية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي والتي ستتضرر كثيراً في حال الإساءة الجماعية للعرب والمسلمين في أمريكا. هل يعني ذلك أن العرب والمسلمين في أمريكا هم في أمانٍ واستقرارٍ وسلام؟ لا، طبعاً فالمخاطر المحدِقة بهم هي قائمة على المستوى الفردي في أكثر من ولايةٍ أمريكية، تماماً كما هو حال عموم العرب والمسلمين في الغرب وحتى في أوستراليا واليابان!! مسئولية مشتركة وهذه المخاطر القائمة الآن هي حصيلة مزيجٍ مركب من أسبابٍ داخليةٍ في الغرب، كما لها أيضاً مصادرها الخارجية. فالمجتمعات الغربية ـ والأمريكي منها خاصة ـ تتحكم في ردود أفعالها السلبية الآن مشاعر الغضب من هول وفداحة الهجوم الإرهابي الذي فاجأ العالم كلّه يوم 11 سبتمبر والذي استخدم الطائرات المدنية ضد آلافٍ من الأبرياء وبشكلٍ لم يتصوره خيال في السابق. وحينما يكون المتهم جماعات إرهابية عربية وإسلامية فإن الغضب الغربي سيتمحور حول كل العرب والمسلمين أينما كان، ثم كيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما أضيف إليه ما زرعته لسنواتٍ عديدة أجهزة إعلامية مسيرة من قبل جماعاتٍ صهيونية وعنصرية حاقدة من زعمٍ حول «الخطر الإسلامي» المقبل إلى الغرب!؟ وكيف سيكون أيضاً حجم هذا الغضب إذا ما صدر عن جهلٍ عام بالإسلام وبالعرب وبقضايا العرب والمسلمين؟ وكيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما اقترن بممارساتٍ سلبيةٍ خاطئة قام ويقوم بها عدد من العرب والمسلمين حتى في داخل المجتمعات الغربية التي تعاني من تضخّم عدد المهاجرين إليها وما يحمله هؤلاء المهاجرون الجدد من مختلف بلدان العالم من طقوسٍ وعاداتٍ وتقاليد ومظاهر لا تندمج سريعاً مع نمط حياة المجتمعات الغربية! أيضاً، فإن مشكلة المجتمع الأمريكي تحديداً، أن حكوماته المتعاقبة في القرن الماضي كانت منغمسةً جداً في عدة قضايا دولية وفي أكثر من حربٍ خارجية حتى وصلت إلى حد الانفراد بقيادة العالم، بينما المواطن الأمريكي العادي أكثر جهلاً من أي مواطن دولةٍ غربيةٍ أخرى بقضايا العالم، وبالجغرافيا وبالتاريخ، وحتى بالنسبة لتاريخ أمريكا وجغرافيتها! فالرفاهية الأمريكية واتساع الأرض الأمريكية وعزلتها الجغرافية عن باقي العالم، كلّها عوامل أدّت إلى عدم اهتمام الإنسان الأمريكي العادي بما يحدث حوله في العالم وإلى تقبّل ما تقدّمه له أحياناً الحكومات الأمريكية ووسائل الإعلام من أكاذيب وتضليل، كمسلماتٍ حول «الآخر» في العالم الآخر. لذلك غاب التوازن لعقود طويلة بين مدى حجم التورّط الأمريكي الرسمي في قضايا العالم، وبين مدى فهم المواطن الأمريكي العادي لهذه القضايا ولما يحدث حوله في العالم، إلى حين صدمة 11 سبتمبر التي كانت بمثابة صحوة من غفوةٍ زمنيةٍ طويلة، لكن الصحوة حصلت بعد كابوسٍ مرعب أخل بالتوازن الجسدي والعقلي والنفسي لعموم الأمريكيين. هنا تصبح المسئولية في التعامل مع هذا الواقع الأمريكي الجديد مسئولية مزدوجة على الطرفين: العرب والمسلمين من جهة، والأمريكيين والغربيين من جهةٍ أخرى. فكل الساحة مفتوحة لأبناء «السوء» لبث سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة ولو بظروفٍ صعبة على «دعاة الخير» من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأمريكا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من أبناء أمريكا والغرب الذين يريدون معرفة الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود وكما تلقت الجمعيات والمؤسسات العربية والإسلامية في أمريكا التهديدات ورسائل الشتم من بعض الأفراد الأمريكيين، كذلك تلقت من مواطنين آخرين العديد من مظاهر الدعم والتأييد والتضامن. ولقد نشر «مركز الحوار العربي» في واشنطن في موقعه على الإنترنت (www.alhewar.com) عشرات النماذج من هذه الرسائل التي تسأل عن ماهية الإسلام والمسلمين والعرب، وترفض أسلوب الحقد العنصري ضدهم وضد دينهم وثقافتهم. وإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة «الجهلوقراطية» عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، فإنها فرصة مهمة بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يتعاملوا مع هذه الحالة (بأسلوب الحوار الهادئ والمقنع) لاستبدال «الجهلوقراطية» الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عن الإسلام والعرب. لكن «فاقد الشيء لا يعطيه»، لذلك هي أولوية موازية لأولوية التعامل المعرفي مع «الآخر»، بأن يعمل العرب والمسلمون في أمريكا والغرب على تعميق معرفتهم بأصولهم الحضارية والثقافية وبالفرز بين ما هو «أصيل» وما هو «دخيل» على الإسلام والثقافة العربية. كذلك، فمن المهمّ التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية والإسلامية في أمريكا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات في هذه المجتمعات، إضافةً إلى الحوار المباشر عبر الإعلام والإنترنت واللقاءات الخاصة. هي مهمة مزدوجة الآن أمام العرب والمسلمين في أمريكا والغرب: تحسين وإصلاح الجسم لواقع بشكلٍ متزامنٍ مع تحسين وإصلاح «الصورة»، وبناء الذات السليمة مع بناء المعرفة السليمة لدى النفس ولدى الآخر. ولعل هذه المسائل كانت من دواعي تأسيس «مركز الحوار العربي» عام 1994 وعدد آخر من المنتديات الفكرية والثقافية العربية والإسلامية في أكثر من ولاية بأمريكا، إضافةً إلى وجود مؤسسات وجمعيات حركية تعمل على الساحات السياسية والإعلامية. فالمرحلة الآن ـ وربّما لفترةٍ طويلة ـ هي مرحلة إقناع المواطن الأمريكي والغربي عموماً، بمن نكون «نحن» أكثر ممّا هي «ما الذي نريد»، وهي مرحلة تضعنا أمام خيارين: إما السقوط أيضاً مع الغربيين في فخ نظرية «صراع الحضارات» و«الخطر الإسلامي» القادم من الشرق، أو محاولة انتشال بعض هذا الغرب من هذا الكمين الذي تستفيد منه فقط إسرائيل وكلّ أعداء العرب والمسلمين. ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن.