يقع مبنى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في ضاحية ريفية بولاية فرجينيا في منطقة تحاصرها التلال والغابات تسمى لانجلي على بعد ثمانية أميال أو عشرين دقيقة بالسيارة من البيت الأبيض مقر الرئاسة والبنتاجون مقر وزارة الدفاع، على حد سواء ويذكر المبنى المشيد في سبعة أدوار من الحجارة والمرمر كل من يراه بمبان الجامعة الأمريكية النموذجية لكن داخل المبنى شئ آخر مختلف تماما. ويسهل أن تجد على الطريق علامات ولافتات وأسهم تشير بوضوح الى مقر الوكالة وتدل الناس عليها وكأنهم في طريقهم الى مدينة ملاهي أو ستاد رياضي أو سوبر ماركت أو فرقة استعراضية لا في طريقهم الى أكثر المؤسسات رهبة وشراسة في العالم®. وأغلب الظن أنها جهاز المخابرات الوحيد على وجه الأرض الذي يفصح ويعلن عن نفسه بهذه الصورة بل أكثر من ذلك يضع أرقام هواتفه في دليل تليفونات واشنطن بصورة بارزة تحت اعلان لملهى ليلي يقدم برنامجا ساخنا للإستربتيز. لكن المبنى تغطيه أشجار كثيفة وتستره عن العابرين على حد وصف كتب عديدة صدرت عن الوكالة وبين هذه الأشجار الكثيفة تمرح الحيوانات البرية بحرية ويستطيع مدير الوكالة أن يستمتع بمشهد ذئب يفترس قطيعا من الأرانب البرية من وراء نافذة حجرة طعامه الخاصة والمريحة والأنيقة أعلى المبنى قبل أن يتناول وجبة الغذاء ويبدو أن ذلك هو ما دفع رجال وزارة الخارجية الأمريكية الى وصف رجال المخابرات المركزية بالرجال الذين يعيشون في الأحراش والعبارة تحمل نوعا من السخرية والكراهية أيضا خاصة وأن الصراع بين الدبلوماسية ورجال الكواليس والمهام السرية هو صراع مزمن لا يتوقف. وتصف مذكرات الرؤساء السابقين للوكالة المبنى بأنه يكاد يكون أكبر مبنى حكومي في البلاد ولا ينافسه في حجمه سوى مبنى البنتاجون المبنى يقع على تسعة أفدنة وحوله أرض فضاء مساحتها تصل الى 125 فدانا تعتبر جزءا غير مكشوف من منطقة حكومية مساحتها 750 فدانا بما فيها الغابات والموقع يبدو مناسبا من زاوية الأمن فالغابات كثيفة والهضاب عالية والمبنى غير مرتفع وبينه وبين الطريق السريع آلاف الأمتار يضاف الى ذلك سور مغطى بأجهزة الانذار والكاميرات الخفية المتصلة بغرفة مراقبة مركزية ترصد دبيب النمل وتسلل الحشرات الزاحفة. وبجانب المبنى الرئيسي توجد مبان ملحقة تضم آلات المصاعد الكهربائية ومعامل ومطاعم تتسع لأكثر من ألف شخص وقاعة محاضرات وسينما معا لها قبة مميزة تتسع لحوالي 500 شخص وتستخدم في تدريس البرامج لصغار الموظفين وفي المؤتمرات الصحفية وعلى بعد ميلين من الطرق الداخلية المرصوفة توجد ساحة انتظار تحتل 21 فدانا وتستوعب ثلاثة آلاف سيارة. وفي مدخل المبنى الرئيسي توجد لوحة رخامية معلقة على الجدران منقوش عليها عبارة من الكتاب المقدس تقول: وسوف تعرف الحقيقة والحقيقة سوف تجعلك حرا وفي المدخل أيضا ينتصب تمثال شخص يدعى ناتان هيل الذي يوصف بأنه الجاسوس الأمريكي الأول وكل الأبواب في هذا المبنى مغلقة وليس عليها أرقام ولا علامات ولا أسماء والجدران والأبواب مبطنة بعوازل صوت وهو ما يجعل المبنى وكأنه مهجورا من الداخل. جيش الظلام وتوصف الوكالة في كتب التجسس بأوصاف لا حد لها الشركة العائلة المجمع المقدس جمعية الإخاء السر جيش الظلام فرسان المعطف والخنجر مثلا ويوصف رجالها بأنهم أصحاب القداسة الذين لا ترد لهم كلمة أما أتباعهم ومريديهم فهم في كل مكان فوق الأرض وتحتها من ساكني القصور الحاكمة الى ساكني القبور الفقيرة ومن أصحاب العقول الأكاديمية الى أصحاب العضلات المنفوخة وهي تغطي نشاطها تحت صور متنوعة شركات تجارية دور صحفية بعثات دبلوماسية محطات موسيقية وملاه ليلة. كانت البداية فيما يسمى مكتب الخدمات الاستراتيجية وهو مكتب أنشئ أيام الحرب العالمية الثانية كانت مهمته تحليل ما يصل اليه من معلومات تضخها أجهزة المخابرات العسكرية بفروعها المختلفة ولكن هذا المكتب أصبح في حاجة الى مزيد من التطوير بعد أن وقعت حادثة بيرل هاربور التي تحكم فيها الأسطول الأمريكي في قاعدة هاواي البحرية بالطائرات اليابانية وهي حادثة أشعرت الولايات المتحدة بحاجتها الملحة للمعلومات السرية المبكرة لتفادي البلاء قبل وقوعه وهكذا تقدم الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان بقانون الأمن القومي الى الكونجرس في عام 1947 وهو القانون الذي أنشأ الوكالة في يوليو من العام نفسه وقد انتقل الى الوكالة قيادات مكتب الخدمات الاستراتيجية مثل كيرميت روزفلت الذي لعب فيما بعد دورا مؤثرا في إعادة شاه ايران في عام 1954 وكان مسئولا عن مصر التي جاء اليها بعد ثورة يوليو عام 1952 واجتمع أكثر من مرة مع قادتها ومثل آلن دالاس الذي كان أشهر رؤساء الوكالة أما أول رؤسائها فكان (ويليام دونافان وهو محامي ثري عرف فيما بعد بالمخلب الكاسر. السيطرة الخفية كانت الحرب الباردة ـ التي توصف بأنها حرب ولا كل الحروب ـ قد اشتعلت بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي وكانت الولايات المتحدة - التي خرجت منتصرة في الحرب بعد أن دخلتها متأخرة ـ تشعر أنها قد ورثت الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية في أوروبا وكانت ترى أن عليها أن تمد سيطرتها الخفية وغير المباشرة على العالم وهكذا تضاعف بسرعة جنونية دور الوكالة خاصة في الأنشطة الخفية وفي 14 ديسمبر عام 1947 وافق الكونجرس على منح الوكالة كافة الصلاحيات التي تجعلها اداة الولايات المتحدة في الحرب النفسية والأساليب شبه العسكرية وتدبير الانقلابات السياسية وفي 18 يونيو 1948 صدر قرار مجلس الأمن القومي بمنح الوكالة حرية القيام بالعمليات الخاصة بكل ما تعني الكلمة من اغتيال وتشهير وتجسس وقرصنة وكان أن بدأ السجل الأسود للوكالة. في عام 1976 وصلت فضائح المخابرات المركزية الى الكونجرس وتكونت لجنة خاصة لمراجعة تاريخها السري عرفت بلجنة تشرش وضعت تقريرا خاصا لم يختلف كثيرا عن صحيفة السوابق كانت الولايات المتحدة في حاجة الى بعض الأخلاق بعد أن تفجرت فضيحة ووترجيت وخرج بطلها الرئيس ريتشارد نيكسون مستقيلا مطأطأ الرأس من البيت الأبيض وفاحت رائحة الوكالة وخرجت من الجب الجثث القديمة وعرف الناس أن الوكالة لم تكن تكتفي بالتجسس على العالم فقط وإنما كانت تتجسس على الأمريكيين أيضا وبدأت أصابع الاتهام تشير الى الوكالة في عمليات قتل الرئيس جون كيندي ونجمة الاغراء مارلين مونرو وزعيم حركة تحرير السود من العنصرية مارتن لوثر كينج وكانت هذه الاتهامات في كوم وما أعلنه تقرير تشرش في كوم آخر. كشف تقرير تشرش عن تدخل الوكالة في جواتيمالا وشيلي وكوبا وايران والشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا وتحملت الحكومة الأمريكية أوزار هذا التدخل الذي جرى بعيدا عن الأصول القانونية المتفق عليها إن هذه الأصول تفترض الرجوع الى لجنة الأربعين ـ وهي لجنة مكونة من أربعين شخصية في الدفاع والخارجية والوكالة ـ التي تقرر العمليات السرية ولكن في غالبية الأحوال لم تكن الوكالة تستشير أعضاء هذه اللجنة فقد كانت تعتبرهم مجرد موظفين لا يجوز أن يرقوا الى مرتبة الجواسيس خاصة وأن الوكالة قد تضخمت ووصل عدد الموظفين فيها الى أكثر من 30 ألف موظف بخلاف العملاء الذين يعملون في خدمتها بالقطع®. وخاصة وأن ميزانيتها قد تجاوزت الثلاثة مليارات دولار وأي تدخل من البيروقراطية ولو بطريقة غير مباشرة سيؤدي الى تقلص ذلك كله. وكشف التقرير عن محاولات الوكالة اغتيال زعماء العالم المعادين للسياسة الأمريكية فقد حاولت قتل جمال عبدالناصر بوضع نوع من السم في أجهزة تكييف مكتبه وحاولت قتل الزعيم الكوبي فيديل كاسترو بدس علبة سيجار مسموم ونجحت في اغتيال زعيم الكونغو بياتريس لومومبا ونجحت في الإطاحة بالزعيم الشيلي سيلفادور الليندي وإسقاط نظام حكمه الذي جاء عبر ديمقراطية صندوق الانتخاب وفي كل الأحوال لم يكن رجال الوكالة يشعرون بالندم على ما يفعلون بل أنهم كانوا يشعرون بالسعادة والنشوة لمجرد القيام بالعمل السري مهما كانت نتائجه وقد كتب توم برادن ـ الذي ترأس قسم المنظمات الدولية في الوكالة ـ مقالا في صحيفة «ساتردي ايفنينج بوست» تحت عنوان «أشعر بالسرور التام» اذا عرفت أن وكالة المخابرات المركزية منظمة لا أخلاقية وما في المقال معروف من عنوانه حسب ما جاء في كتاب فيكتور مارشيني وجون ماركس عن الوكالة والذي صدر في عام 1984 وكان أول كتاب يمنح القضاء الحق في حذف 368 فقرة منه هي التي كانت تتحدث عن فضائح العمل السري. وانتهى تقرير تشرش بتدخل الكونجرس ليسحب تفويض العمليات السرية والخفية من الوكالة وشعر الأمريكيون بالارتياح والهدوء فلم تعد بلادهم تلعب دور القاتل والمزور والمخادع وبسقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة فقدت الوكالة معظم صلاحياتها فالعدو الذي قامت من أجله لم يعد موجودا وسقط من تلقاء نفسه كالثمرة الجافة وخلع رجال الوكالة معاطفهم السوداء وعلقوا خناجرهم اللامعة تذكارا قديما على جدران بيوتهم وراح بعضهم يكتب مذكراته بعد أن خرج من الخدمة وراح البعض الآخر يكتسب مسلسلات الإثارة في مجلات الأطفال وكان هناك من عمل حارسا على شركات وبمرور الوقت وجدت الوكالة نفسها تلعب دورا معلنا ومباشرا في السياسة كما حدث مؤخرا في القضية المشتعلة بين الفلسطينيين والاسرائيليين لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن. هل تستعيد عرشها؟ كان ما جرى في يوم الثلاثاء الأسود في نيويورك وواشنطن صدمة مروعة لدولة كانت تشعر بأنها بعيدة عن كل ما يهدد أمنها القومي وقد كانت نظرية الأمن التقليدية تقوم على أساس أن الخطر سيأتي من الخارج®. من بعيد وهو ما جعل من السهل التعامل معه فحتى تضرب طائرة معادية قادمة من وراء المحيطين هدفا أمريكيا فإنها تحتاج الى ثماني ساعات طيران على الأقل وهو ما يتيح للدفاعات الأمريكية وقتا كافيا للرد مهما كانت المفاجأة ويبدو أن الإحساس بالاطمئنان على أمنهم القومي جعل أصحاب الخيال العلمي يتخيلون العدو قادما من كواكب أخرى لكن كان العدو أقرب من حبل الوريد كان العدو في الداخل ينامون معه في نفس الفراش وهو ما جعل الحرب ضده حربا من نوع جديد لا تحتاج الى جيوش وحاملات طائرات ولا أقمار صناعية بقدر ما تحتاج الى معلومات واجراءات مخابراتية وعمليات خفية وهكذا نظر الناس من جديد الى مبنى المخابرات المركزية في لانجلي وراحوا ينتظرون. ولا جدال أن إعلان الحرب على الارهاب يعني اعادة صلاحيات لا حدود لها كانت قد سحبت من الوكالة®. سيعود اليها التصريح بالقتل وستعود اليها صلاحيات العمل الخفي بكل ما فيه من ابتكار وتجاوز وستعود اليها عمليات التجنيد الميدانية بعد أن تقلص الاعتماد على البشر في مقابل زيادة الاعتماد على وسائل تكنولوجيا التجسس المتطورة®. وعلى 200 ألف طن من أنقاض مركز التجارة العالمية بدا أن الكونجرس مستعد لقبول ما سبق أن رفضه منذ نحو ربع قرن وبفعل صدمة ما جرى وما ترتب عليه من إهانة للقوة العظمى الوحيدة بدا أن خزائن الاعتمادات مفتوحة على آخرها للوكالة تغرف منها بلا حساب أو مراجعة وبفعل الضحايا الذين فاجأهم البركان وينتسبون الى 33 جنسية أصلية بدا أن الناس مستعدة للتسامح مع الوكالة في كل ما يمكن أن تفعل بما في ذلك تقلص الحقوق المدنية والحريات الشخصية مثل مراقبة التليفونات والحسابات والأشخاص ومثل اقتحام الأماكن والقبض على المشتبه فيهم بلا مبرر قوي وبلا دليل دامغ وهو ما يعني أن ما جرى كان رجوعا الى الخلف عدة خطوات وإن كنت أتصور أن ذلك الى حين فالشعوب الحية قادرة على المراجعة والتصحيح واسترداد ما تركته في أول فرصة مناسبة. ولو كان الأمريكيون قد تساءلوا فور وقوع الكارثة: أين كانت الوكالة؟ فإن ذلك كان لصالح الوكالة نفسها التي سارعت ورفعت تقريرا الى مجلس الأمن القومي والبيت الأبيض تحدد فيه الوضع الحرج التي كانت فيه والمعوقات التي كانت تقيدها والصلاحيات التي تطلبها وطبيعة الحرب الجديدة وكيفية استيعابها؟ ولم تنتظر الادارة الأمريكية ما تفرضه الاجراءات القانونية واعتبرت التصفيق الحاد والمتكرر الذي حظي به الرئيس جورج بوش في الكونجرس هو تفويضا من السلطة التشريعية لكي تفعل ما تراه مناسبا وعلى الفور بدأت الوكالة الحرب على طريقتها تبادل معلومات مع دول العالم المختلفة أعيد على أساسه تصنيف الدول في قائمة الارهاب وتغيرت على أساسه خرائط المواقف والمشاكل السياسية وستتغير على أساسه المعونات المالية والعسكرية. وطبيعة العلاقات الشخصية والنفسية وهو ما يعني أن الوكالة ولو الى حين قد استردت عرشها فهل تحافظ عليه؟ أم أنها ستفقده بالعودة الى عادتها القديمة الرذيلة؟ ـ كاتب مصري