بين مفردتي الحرب والحب خيط رفيع، فإذا طار حرف من الأولى وحلّ في الثانية يتبدّل المعنى تماماً ويغدو نقيضاً لدلالته. أحسّها غريزة الحياة تشتعل حين يحدث هذا الخفقان في القلب بموازاة ضجيج طبول الحرب ولو كانت تدق في أماكن قصيّة.. وهو شعور ينتاب كل إنسان على وجه هذه البسيطة. فالحب يعني الحياة بكل ما يحمله من تضحية وإيثار حيال الآخر، فيما الحرب ترادف موت الآخر في عناصرها، وتسعى مع سبق الإصرار إلى إلغائه من الوجود. فماذا بوسعنا أن نفعل حين تندلع الحرب؟ لا شيء.. سوى أن نخاف أو نصنع لليالينا قلقاً وغربة، أو نشعر بكآبة وأسى لفقداننا أحبّة وأعزّاء. إنها الحرب التي تقلب الأمزجة رأساً على عقب، لذا أراني أشعر بالارتباك، لأنني لا أُحسن استقبال «الوافد الجديد». وربّما يكون من السذاجة اعتمادي علاجاً متخلفاً قياساً بحرب مجنونة تحتاج إلى أطنان من البن والسجائر وجرعات لا تحد من الحب والحنان. حقيقة، لم أكن أدري كيف أستقبل الحرب، لكأنها الأولى التي تلامس وعيي من حيث هولها، فقد اعتدت على حروب كثيرة لكنها صغيرة! ربّما لأنها المرة الأولى التي تُخطرنا حرب بقدومها، إذ كانت الحرب عادة تزورنا على غفلة، تباغتنا، فنترك لغرائزنا أن تقرّر ما يجب فعله. هكذا.. بلا دمعة واحدة، أستقبل الحرب! كأن شيئاً لن يحصل، أو كأن الأمور ما زالت على عهدها السابق. ألا يكفي احتمال الموت ليغيّر في أسلوب الحياة شيئاً؟ أيكفي الحب لجعل هذه الحرب أقل قسوة؟ كان يكفي أن أدور على أعقابي، وأفكر بأنني ضحية محتملة وأن الضحية بلا حب تشبه الضحية بحب.. وساعتها يصبح الإقلاع عن الحب أمراً عادياً. إنها الحرب التي تعدُنا بحريقها، وربما تعدُنا بأكثر من ذلك. هل نجرّب نزق الثيران، ونطلق مصارعي الحلبات على أجسادنا، ونتحوّل هكذا بضربة واحدة إلى كتلة من الألم والحزن؟ هل نتوق إلى هذه الحرب بقلقٍ، أم أن الأمر لا يعنينا؟ أحار ماذا أفعل، وكيف أتجنّب الشعور بالذنب، لأنني لم أحزن سلفاً على الضحايا المحتملين. هل حدث الموت، ما يجعل الموت صعباً أم أن انتظاره أشدّ صعوبة؟! وهل أسابق الطائرات إلى أهدافها، وأعيّن ما يجب أن أحزن لأجله؟ لا شيء من كل هذا سوى أنني حزين، كما يفترض برجل يشعر أن كل شيء من حوله يتداعى وأن وجهه لم يعد بين يديه. ومع ذلك المشهد الذي تحيطه غلالة رمادية تميل إلى السواد، تبقى نوافذ مشرعة لشعاعات من الضوء تحمل في ثناياها بعضاً من أمل بالحياة. والحياة هي حب وتضحية وإيثار، وقد جرّبتها شعوب كثيرة محبّة للحياة، كانت تقيم أعراسها بمحاذاة خطوط التماس الملتهبة، وتغني على التلال وفي الأودية وهي تسير باتجاه نوافذ الضوء. بين الحب والحرب خيط رفيع حقاً.. فهما قريبان لكنهما نقيضان، وفي الحروب تزدهر الرومانسية وتنساب مشاهد الطفولة سريعاً في مرآة المخيلة. فهل هو التوق إلى الحياة.. والحلم بالسكينة؟! شاهدت قبل أيام «مندولين الكابتن كوريللي»، سينما تمشي عكس التيار الجارف المتسم بالعنف والخيال الغبي والجنس الرخيص الذي يكتسح صالات العرض في أنحاء العالم. تأثرت كثيراً، بهذه القصيدة السينمائية التي هزمت الحرب، وأعادت للرومانسية اعتبارها. فالكابتن الايطالي كوريللي الذي جاء محتلاً هذه الجزيرة اليونانية الوادعة خلال الحرب العالمية الثانية، عزف على آلة المندولين موسيقاه الرائعة أكثر مما استخدم سلاحه وجنوده ضد أهل تلك البلاد، كما أظهر رؤيته الخاصة للثقافة والفن.. فكسب احترام الجميع.. ولعل حبّه لفتاة الجزيرة دفعه للقتال إلى جانب أهلها ضد المحتل النازي. فهل نرى يوماً يتفوق فيه الحب على الحرب؟ E-mail: Ismail_haidar@yahoo.com