كنت استعرض في يوم حار من صائفة 2001، ما جمعته منذ الصبا من وثائق مرجعية فوقع نظري على قصاصة من صحيفة «الصباح» التونسية صادرة في يوم 6 يناير 1970 تحت عنوان «البشر سيختنقون في حدود عام 2000! ويصبح كوكبنا غير صالح للحياة». شاءت الصدفة ان اعثر على تلك القصاصة في الايام الحاسمة التي سبقت قرار البلدان العظمى بالغاء اتفاقات كيوتو وتعويضها باعلان آخر اقل الزاما للبلدان الغنية واشد وطأة على البلدان الفقيرة. اني لا اقدم هذا الطرح من باب التشاؤم وانما بالاعتماد على المستندات والوقائع الثابتة والدراسات المعمقة، ويكفي لذلك العودة اولا الى مضمون تلك الدراسة المنشورة منذ 31 سنة والى التقديرات الحديثة لانعكاسات ارتفاع حرارة الارض على موارد البلدان النامية وتأثيرها على الضعفاء. خلاصة مقال لقد جاء في المقال المشار اليه «ان البشر سيختنقون بعد ثلاثين سنة» وان الهواء المحيط بالارض سيحترق وان كوكبنا سيصبح غير صالح للحياة. الا انه في الوقت الذي ينكب فيه آلاف العلماء من اطباء وكيميائيين وفيزيائيين وبحاثة في علم الحياة على استجلاء اسباب العلل المستعصية، بقصد الاهتداء الى عقاقير جديدة وامصال وادوية لمجموعات الامراض الوبيلة التي تحصد افواج البشر كل يوم وتزرع الفزع واليأس في الصدور، يلوح في آفاق المعمورة خطر رهيب يهدد البشرية قاطبة بالفناء الماحق بعد حوالي ثلاثة عقود. وهذا الخطر ليس مجرد افتراض عالم موهوم او تشاؤم فلكي محموم وانما هو حقيقة علمية اكدها كل العلماء في شتى اطراف الدنيا، ويؤكد هؤلاء العلماء انه اذا استمر تلوث الهواء على الوتيرة الحالية فان الطبقة الجوية المحيطة بالارض، وهي ضرورة لكل حياة، ستضمحل في ظرف ثلاثين عاما وتأخذ في الانقراض كل الاحياء من حيوانات وبشر ونباتات ويتغير المناخ في كامل انحاء الدنيا. ومن الممكن ان تشهد المعمورة عهدا جليديا آخر على غرار العهد الجليدي القديم. وقد ندد هؤلاء العلماء باستمرار الدول في القضاء على الهواء المحيط بالارض على هذا النحو الرهيب مستندين على مانشرته مجلة علمية امريكية في دراسة عن التأثيرات الخطيرة التي تحدث على الطبقة الجوية المحيطة بالارض، بسبب دخان المصانع والمعامل والسيارات وسائر المحركات الاخرى التي تتبخر في الاجواء كل عام في مختلف انحاء العالم وقد قدرت آنذاك بـ 800 مليون طن. واكد هؤلاء الاخصائيون انه يتحتم على الانسانية، للنجاة من اهوال تلوث الهواء واضمحلاله، اعادة النظر في بعض القواعد الاساسية اذ ان اصحاب الصناعة تصرفوا منذ عشرات السنين، وكأنما الهواء والماء ودرجات الحرارة لا يمكن ان تتأثر اطلاقا بمشاريعهم الضخمة ونتائجها وتأثيراتها، ولذا وجب البحث بكل جدية وسرعة عن طرق تضمن البقاء للانسان وتحافظ على ما تبقى من هواء سليم .. وذلك مع التضحية بعدد كبير من قواعد ومظاهر الحضارة الصناعية. بين استشراف وآخر الحمد لله ان هذه التوقعات التي تنبأ بها علماء البيئة آنذاك لم تتحقق في سنة 2000 وان الكرة الزرقاء باقية تدور. لم تكن الصحافة آنذاك مهتمة بتآكل طبقة الاوزون ولا بارتفاع حرارة الارض او باختفاء بعض المناطق الساحلية التي بدأت تغمرها امواج البحر، ولم يكن هنالك من يركز على العلاقة بين تلوث الهواء واتساع نطاق الحرائق وتكاثر الزلازل والفيضانات وغيرها من الكوارث الطبيعية وما تخلفه وراءها من مآس ونكبات. ان الاختناق الشامل لم يحصل في سنة 2000 ولن يحصل في سنة 2100، لكن الخطر اصبح داهما لمناطق عديدة بالارض في الشمال وفي الجنوب وان الانسانية سوف تعاني كثيرا من الويلات. ويجمع اليوم الآلاف من خبراء البيئة والمطلعون في هذا العالم الجديد، ان معدل درجة الحرارة الارضية سيزداد ارتفاعا بعد قرن بما يتراوح بين 15 و 6 درجات مقابل حوالي 05 درجة طيلة القرن العشرين، وان مستوى علو البحار قد يبلغ حوالي 80 سنتمترا، وهي نسبة لا يستهان بها عند مقارنتها بما سجل طيلة الالفية الثانية لكنها لا تهدد بطوفان شامل لكل القارات. وهذا يعني ان البشرية لن تنقرض بعد قرن من الزمن، وان كان مصير احفادنا غير مضمون ولقمة عيشهم غير مؤمنة، ومع ذلك فان زعماء البلدان المصنعة مازالوا متشككين في صحة الارقام المعروضة ومترددين في الالتزام بتخفيض نسبة الغازات الناجمة عن الصناعات الملوثة. ولذلك فان مراكز الخبرة سوف تفتح على مصراعيها لرصد كل التوقعات في السنوات المقبلة وان القرارات الحاسمة لن تتخذ الا بعد سنوات تحت ضغط الدول المتعرضة اكثر من سواها للكوارث الطبيعية المتفاقمة والحاح الجمعيات غير الحكومية المتضامنة معها من كافة انحاء المعمورة وفي كل القارات ولاجهزة الاعلام الواعية، لكن البلدان الضعيفة والفقيرة هي التي ستعاني اكثر وتتحمل العناء وتدفع التكاليف. الاضرار بالفقراء لقد جاء في تقرير اعده المعهد الدولي لتحليل الانظمة التطبيقية بمشاركة مركز هادلي البريطاني للتنبؤات والبحوث المناخية ان الدول النامية ستدفع ثمن الاحتباس الحراري اما الدول الشمالية الغنية فان انتاجها الزراعي سيزداد مع ارتفاع درجات الحرارة .. حيث سيكون بوسع بعض الدول استغلال اراض تكسوها الثلوج حاليا في الزراعة مثل روسيا وكندا مما يتيح لهما زيادة انتاجهما الزراعي بما يعادل 130 مليون طن سنويا .. كما ستنتفع فنلندا والنرويج ونيوزيلندا ايضا .. اما انتاج البلدان الجنوبية فانه سينخفض نظرا للجفاف. ويشير التقرير ان 65 بلدا ناميا ستخسر من انتاجها من الحبوب 280 مليون طن في اقل من مئة سنة .. وان الهند وبنجلاديش والبرازيل والعديد من دول الساحل الافريقي ستكون من الدول الاكثر تضررا اذ يتوقع ان تخسر الهند وحدها مليون طن من انتاجها الغذائي في كل سنة. واعلن الدكتور روبرت رانسون رئيس لجنة الامم المتحدة المعنية بالتغير المناخي، في تصريح لصحيفة «الاخبار» المصرية بتاريخ 24/8/2001، ان افريقيا افقر قارات العالم، ربما تتحمل اسوأ نتائج ظاهرة الارتفاع الحراري حيث ستشهد هذه القارة تقلصا في انتاج الحاصلات بزيادة الجفاف في بعض المناطق والفيضانات في مناطق اخرى وتتعرض الحياة البحرية الافريقية للخطر .. وكذلك مجموعات الحواجز المرجانية الخلابة .. مضيفا ان بلدان افريقيا جنوب الصحراء التي ليس لها ضلع في بث الغازات، ستكون الاكثر تعرضا لآثار التغير المناخي وتدفع ثمن ما كسبه الاغنياء. ان الغاية من هذا المقال ومن هذه المقارنة ماهي الا الاشعار بالتوقعات آتية لا ريب فيها، فليعلم بها جيل اليوم وليستدرك بها جيل الغد قبل ان تداهم هذه الحقيقة المرة سكان المعمورة في بداية القرن المقبل ولن ينفع آنذاك الندم. ـ خبير اعلامي عربي