يمر العالم العربي والاسلامي بحالة جديدة بدأت من جراء تصرف مغامر ذو طابع جنوني، مرة ثانية يقرر فرد او مجموعة صغيرة من الافراد، وانطلاقا من رؤية خاصة ومحدودة مصير العالم العربي فكما كان الحال عام 1990 مع الغزو العراقي، نجد هذه المرة ذات المغامرة وذات الروحية المغالية في التدمير الذاتي وفي تدمير الآخر. وكردة فعل نجد ان الولايات المتحدة قد حسمت امرها، اذ نجدها اليوم تنتقل من مرحلة المهادنة وتفادي مواجهة مباشرة مع التطرف الاسلامي الى الدخول بمواجهة شاملة معه ومع الاجواء السياسية التي تشجعه اقليميا. لكن هذا لا يعني ان الولايات المتحدة سوف تدخل في مواجهة شاملة مع جميع تعبيرات الاسلام السياسي والتي هي اكبر من ان يتم وضعها في قائمة الارهاب، ولكن هذه المواجهة سوف يكون لها انعكاسات على التيار الاسلامي الرئيسي في الساحة العربية، الانعكاس سوف يجد نفسه ويعبر عن نفسه من خلال عدة ابعاد. البعد الاول هو ان الدول والحكومات العربية سوف تكون اكثر تخوفا من التيار الاسلامي وانشطته وتحركاته وقدراته المالية ونفوذه، وسوف تجد انها تتخذ سياسات ومواقف تعكس تخوفها وتعكس تأقلمها مع الاجماع الدولي والرد الامريكي لهذا سيكون هناك الكثير من الضغوط على التيارات الاسلامية، وسيكون هناك حد لانشطتها وسيكون هناك حالة من التصادم مع بعض سياساتها. كما ان توجهاتها لفرض «الشريعة» بصورتها الاكثر ارتباطا بتطبيق الحد سوف تواجه الكثير من النقد في المرحلة المقبلة، خاصة بعد ان واجه النموذج الافغاني عزلة كبيرة وتراجع مؤكد. اما البعد الثاني الذي يجب اخذه بعين الاعتبار فنجده في توقيت هذه التوترات، اذ تأتي بعد ان وصل المد السياسي الاسلامي والاطروحات المرتبطة به الى ذروته في دول عربيه عدة وفي بقاع اسيوية كثيرة، وبعد وصول ممثل بالتيارات الاسلامية الى اكثر من برلمان واكثر من حكومة، وبعد ان اصبح لهذه التيارات نفوذ اقليمي مالي وسياسي لا ينفاسهم فيه اي تيار سياسي عربي منذ ان انحسر المد القومي في السبعينيات، بل وصل الامر الى حد نجاح التيارات الاسلامية في خلق حالة التردد في اوساط حاكمة عربية، ونجحوا في محاكم ضد مثقفين وكتاب ومفكرين واصبحت لهم اليد الطولى في العملية التعليمية في بعض الدول العربية. اما البعد الثالث فمرتبط بالاجواء الدولية والاقليمية التي تعتبر ان المد السياسي الاسلامي هو البيئة الطبيعية التي تؤدي لنمط من العنف الذي يشكل خطرا على استقرار العالم. بمعنى آخر لقد وقع الاختلاط بين التطرف الاسلامي في مجال اللغة والخطاب السياسي وبين العمليات المسلحة التي استهدفت المدنيين في الولايات المتحدة لهذا من الطبيعي ان يقع اختلاط كبير اليوم لا يختلف عن الخلط الذي وقع في السابق بين العنف القومي وبين التيار القومي او بين التيار الشيوعي والعنف الشيوعي ولكن عملية الفصل بين الاسلام السياسي وبين التطرف السياسي لن تكون عملية سهلة، ولهذا سوف تخلق هذه الحملة الانطباع بأن المواجهة قائمة مع الاثنين. اما البعد الرابع الذي يجب الانتباه الى اهميته، فمرتبط بضرورة ان تعمل الحركات الاسلامية في مجال احداث التغير السياسي في صفوف قواعدها وانصارها. وقد يتطلب هذا الامر العمل على تهدئة خطابها السياسي، والتأكيد على سلمية توجهاتها، والسعي نحو التعددية، وعدم فرض نظام سياسي محدد بالقوة على المجتمع الاكبر. سوف تترك هذه المواجهة الدولية اثارها على الحركة الاسلامية، فهي ستنقلها الى الدفاع والسعي نحو التأقلم مع الاوضاع الجديدة التي تنبيء بتحقيق عدة انتصارات امريكية في اكثر من موقع اقليمي. في كل هذا سوف يكون المجال مفتوحا للآراء المعتدلة في المدرسة الاسلامية والمحافظة التي ترى اهمية وضرورة التأقلم مع اوضاع وترتيبات دولية واقليمية جديدة تغير من قوانين اللعبة السياسية. ان هذا الوقت مفيد لبناء اسس لحوار جديد بين التيارات العربية، هذا الوقت هو الافضل للحوار الوطني، الذي يأخذ الناس والمجتمعات بعيدا عن شبح المواجهات الداخلية التي يمكن تفاديها. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت