منذ اللحظات الأولى لأحداث نيويورك وواشنطون يوم الثلاثاء 11 سبتمبر «هرولت» الدول الأوروبية شرقها وغربها للإعلان عن وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة «عدو مجهول» الهوية، سرعان ما قررت تلك الدول نفسها تبني الهوية «الإسلامية» التي قررها البيت الأبيض وبثتها شرقا وغربا جميع وسائل الإعلام العالمية، بما فيها العديد من وسائل الإعلام العربية التي تعتمد للأسف على وكالات الأنباء الغربية كمصادر أساسية لتسويد صفحاتها. ولم تتوقف الحكومات الغربية لحظة واحدة للتفكير في إمكانية أن يكون الإعلان الأمريكي الصق «الهوية الإسلامية» لمرتكبي مذابح «الثلاثاء الدامي» مجرد إعلان الهدف منه تهدئة مواطنها الغاضب الذي وجد نفسه فجأة في مواجهة خطر «رعب الحرب» داخل بيته، بعد أن كان معتادا على مشاهدة القتلى في الحروب التي يشنها الجيش الأمريكي أو يدعمها عبر شاشات التليفزيون، كمجرد صدى يحدث في بلاد بعيدة ربما لا يعرف موقعها على الخريطة، فمن المعروف أن الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي تعيش في جهل مطبق فيما يختص بالجغرافيا والتاريخ نتيجة النظام التعليمي الذي يتعامل مع الحدود الأمريكية الخارجية على أنها العالم كله، وما خارج خطوط تلك الحدود مجرد توابع تدور في الفلك الأمريكي. دعم مشروط وتبع الإعلانات الغربية وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة في حربها ضد عدوها المجهول الهوية إعلانات من الشرق شملت دولا عربية وإسلامية، وضعت شروطا لذلك الدعم، ولعل أبرزها أن تكون الاتهامات واضحة ولا لبس فيها ضد من تريد الولايات المتحدة الانتقام منه، وان يتم أي عمل عسكري في إطار الشرعية الدولية وتحت مظلة الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي ترفض السلطات الأمريكية مجرد الحديث فيه، لأنها ترى أنها دولة فوق الشرعية الدولية وفوق الأمم المتحدة بجميع مؤسساتها، بل أن الشرعية الدولية والأمم المتحدة ليسا سوى أدوات تستخدمها متى تشاء وتركنها على الرف متى تشاء. لكن الغريب حقا أنه خلال كل هذا اللغط والدعم المطلق من جانب البعض للجانب الأمريكي بالحق والباطل لم نسمع صوتا واحدا من منطقة كان المحللون السياسيون يرون أنها مجرد تابع خانع للولايات المتحدة طوال عقود من الزمن، بل أن جميع المحللين والمراقبين السياسيين كانوا يطلقون عليها لقبا لا يليق بقارة طويلة عريضة لها إمكانياتها الطبيعية والبشرية الهائلة، إنها منطقة أمريكا اللاتينية التي كانت ولا تزال تعتبر في عرف البيت الأبيض مجرد «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة، غير المسموح فيه لأحد بمجرد الاتصال بأي دولة تنتمي إليه دون إذن من السلطات الأمريكية أو بعيدا عن رقابة مخابراتها. أعلن العالم أجمع بما فيه دول لا وزن لها على الإطلاق دعمه للولايات المتحدة بحماس منقطع النظير، وتوافدت طوابير من مسئولين وشعوب تلك البلدان أمام السفارات الأمريكية لتقديم واجب العزاء لمن سقطوا في تلك المذبحة، ولكن معظم حكومات دول أمريكا اللاتينية التزمت الصمت، ومن نطق منها بتصريحات مؤيدة تعرض لما لم يكن منتظرا، ولم يتقدم فرد واحد من شعوب تلك البلاد لأي من سفارات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية معلنا حزنه، أو مجرد أسفه على ما حدث بل على العكس من ذهبوا إلى تلك السفارات حملوا اللافتات المعادية للسياسات الأمريكية التي تجني الآن ما زرعته في الماضي. وربما التصريحات الوحيدة التي صدرت عن مسئول من دول وسط وجنوب أمريكا اللاتينية كانت على لسان وزير الخارجية المكسيكي خورخي كاستانييدا، وعلى الرغم من انه أعلن على استحياء انه «من حق الولايات المتحدة أن ترد على تلك الاعتداءات باستخدام القوة»، إلا أن هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام على السياسيين في بلاده، بل تعرض الوزير لتوبيخ الأحزاب السياسية جميعا من يمينها إلى يسارها، بما فيها الحزب الحاكم الذي ينتمي إليه الوزير نفسه. الشريك المغاير ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أن العديد من المثقفين المكسيكيين المعروفين طالبوا الوزير بالتراجع عن تصريحاته، لأن بلادهم ـ في رأيهم ـ ليست على استعداد لأن تضحي بمصالحها الخاصة من اجل سواد عيون المصالح الأمريكية، وربما كان الدبلوماسي والكاتب المكسيكي المعروف «كارلوس فوينتيس» معبرا عن الرأي العام في بلاده، وفي الوقت نفسه الأكثر واقعية حين قال: نحن شركاء للولايات المتحدة (تجاريا) ولكن لا نقبل بأي حال من الأحوال أن نكون ممسحة لقاذوراتها. فيما ذهب راعي الكنيسة المكسيكية في منطقة تشياباس إلى أبعد مما ذهب إليه الكاتب كارلوس فوينتيس، فقد قال الكاهن الكاثوليكي «فيليبي أريثمندي» أن الولايات المتحدة «مارست العنف لحماية مصالحها وعليها الآن أن تحصد ما زرعت». وربما كان هذا الإحساس الجماهيري المعادي للولايات المتحدة وراء التكذيب السريع الذي أصدره سفير الاوروجواي في أسبانيا للأنباء التي حاولت تشويه صورة العرب والمسلمين في ذلك البلد الأمريكي اللاتيني من خلال الإعلان عن وجود جماعات «إرهابية إسلامية» مرتبطة بأسامة بن لادن، وأنها تخطط لعمليات ضد مصالح أمريكية هناك، حيث أكد السفير في بيان رسمي أن العرب والمسلمين في بلاده مسالمون ويلعبون دورا إيجابيا في تنمية اقتصاد البلاد. يدعم هذا الاتجاه رأي عام وجد في أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن فرصة للتعبير عن غضبه تجاه ممارسات الولايات المتحدة في المنطقة، وكانت معظم استطلاعات الرأي التي أجرتها إذاعات وقنوات تليفزيونية مختلفة تصب جميعها في رفض أي موقف رسمي يصب في خانة الدعم للموقف الأمريكي في أي عمل عسكري تقوم به ضد أي دولة في العالم، لتصل المواقف إلى حد قيام جماعات مناهضة للولايات المتحدة إلى التجمع أمام سفارتها في العاصمة المكسيكية وهم يطلقون هتافاتهم: «كلنا عرب» ويطالبون بمقاطعة الرموز الأمريكية المعروفة من «ماكدونالد» إلى شركة الاتصالات الأمريكية «ايه تي أند تي». لم تكن تلك التصريحات بمعزل عن الإحساس الشعبي العام في العديد من دول أمريكا اللاتينية، على الرغم من أن مثل هذه المواقف يمكن أن تؤثر سلبا على مصالح أبناء أمريكا اللاتينية وبخاصة المكسيكيين في الولايات المتحدة، حيث يوجد حوالي ثمانية ملايين مهاجر أكثر من ثلاثة ملايين منهم يعتبرون غير شرعيين وعد الرئيس جورج بوش الابن بمنحهم الإقامة الرسمية في زيارته الأولى للمكسيك بعد أسابيع قليلة من توليه منصبه. اختلاف المصالح يعود هذا الإحساس المعادي للولايات المتحدة الأمريكية بين جميع أبناء شعوب القارة الأمريكية اللاتينية إلى السياسات السلبية التي مارستها ولا تزال السلطات في البيت الأبيض ضد أبناء هذه الشعوب، فلم تترك شعبا في أمريكا اللاتينية إلا أذاقته مرارة الدكتاتورية العسكرية خلال فترة الحرب الباردة من خلال التخطيط والتنفيذ للانقلابات العسكرية ضد الحكومات المدنية المنتخبة ديمقراطيا في معظم دول أمريكا اللاتينية، من انقلابات الجنرال بينوتشيه ضد الحكم المدني بقيادة الدكتور سلفادور الليندي في التشيلي، إلى انقلاب الجنرالات في الأرجنتين في السبعينيات، وكانت المخابرات الأمريكية خلال فترة الحرب الباردة تعتبر بمثابة «المندوب السامي» الحاكم الفعلي في المنطقة. وكانت الولايات المتحدة وراء جميع العمليات العسكرية التي استنزفت قوى وثروات شعوب المنطقة التي لم تفلح في إسقاطها كما حدث في كوبا ونيكاراجوا، وأيضا كانت ولا تزال وراء الحروب الأهلية الدائرة الآن في كل القارة، ولا تزال تحيك المؤامرات حول الحكومات القائمة على النسق الديمقراطي الغربي الذي ترفع الولايات المتحدة وأوروبا شعاره، ولكنها تتسلل إلى داخل الأحزاب الحاكمة لإفسادها كما حدث في المكسيك خلال فترة حكم الرئيس الهارب من العدالة «كارلوس ساليناس» الذي انتهي بالبلاد إلى الإفلاس الكامل ورهن بترولها لعقود قادمة للبنوك والشركات الأمريكية التي كانت وراء الأزمة، وأيضا في فنزويلا خلال فترة حكم اندريس بيريث وكالديراس، أو في الأرجنتين خلال فترة حكم الرئيس كارلوس منعم الذي رهن العملة الوطنية بربطها بالدولار مما انتهى بها إلى الإفلاس، أو في البيرو التي حكمها المواطن الياباني «ألبيرتو فوجيموري» عشر سنوات كاملة بدعم من المخابرات الأمريكية عن طريق رجلها «فلادمير مونتيسينوس» الذي كان الذراع الأيمن للرئيس فوجيموري. قائمة الممارسات قائمة الممارسات الأمريكية السلبية طويلة، وشعوب أمريكا اللاتينية لا يمكن أن تنسى أنها عاشت خلال القرن العشرين تعاني في حياتها اليومية من الآثار السلبية لتلك السياسات والتي لم تكن تهدف إلا إلى حماية المصالح الأمريكية الخاصة ومصالح شركاتها على حساب شعوب أمريكا اللاتينية، لذلك لم يكن هناك أي صدى إيجابي لدعم جهود الولايات المتحدة في إقامة ما يسمونه «التحالف الدولي ضد الإرهاب»، لأن تلك الشعوب عانت من اعتداءات الولايات المتحدة، سواء كان من خلال عمليات عسكرية أمريكية على أراضيها وبين شعوبها أو من خلال دعمها للجماعات المتمردة بالمال والسلاح والخبراء والمدربين، ربما لهذا السبب لا يرى المراقبون أن هناك تناقضا في مواقف تلك الشعوب مما حدث في نيويورك وواشنطن، لأن شعوب أمريكا اللاتينية تعي تماما مصالحها وتعرف أنه على حكوماتها إلا تتخذ مواقف قد تؤثر سلبا على المصالح الوطنية حتى لو أدى ذلك إلى إثارة «غضب» أمريكا. وربما للمرة الأولى نسمع أصواتا عاقلة في دول أمريكا اللاتينية تطالب حكوماتها باتخاذ مواقف متوازنة لا تؤثر على مصالح بلادها الوطنية في أي منطقة من العالم أولا، أما ما يصب في صالح مصالح الولايات المتحدة فلا يجب أن يكون سببا في التأثير بالسلب على تلك المصالح الوطنية. وربما لهذا السبب علينا نحن العرب أن ننتبه إلى ما يحدث على الجانب الآخر من المحيط الاطلسي، وعلينا أن نعرف أن هناك شعوبا يمكن أن تكون حلفاء لنا في أي وقت من الأوقات، لذلك يجب تشجيع أي علاقات مع شعوب وحكومات تلك البلاد سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي ولا نتركها فريسة للتواطؤ الأمريكي الصهيوني تستنزفها وتبعدها عنا، وربما الفرصة سانحة الآن أكثر من أي وقت مضى. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا