إنها ساعة الذروة، حيث الكل يطاحش للوصول باكراً الى البيت للفوز بطبق ساخن وسرير بارد، ومن ثم يبدأ العد التنازلي للعودة الى دائرة الازدحام، خاصة الذين يعبرون طريق دبي ـ الشارقة الذي يتحول ساعة الظهيرة الى حبل طويل من الوان السيارات البراقة تحت اشعة الشمس الحارقة. ومع ساعة الذروة تلك يمكن لسيارة حمراء صغيرة ان تشذ عن القاعدة وتخفف من سيرها لان سائقها لديه مخابرة هاتفية عاجلة فتعرقل السير بطريقة قيادته البطيئة لان المتحدث على الطرف الآخر من الموبايل يدعو صاحب السيارة الى الاصغاء لاغنية «حبسوني وحبسوه» التي كسرت الدنيا هذه الايام، لذلك سيقوم قائد السيارة الحمراء بثلاثة عروض في آن واحد: قيادة السيارة على طريق مزدحم، البحث عن احدى محطات الـ «إف.إم» في الراديو، وسيتابع الحديث مع صديقه المحبوس في الموبايل، وهذا يعني انه من الطبيعي سيعرقل حبل السيارات المشدود من مدخل دبي الى وسط الشارقة، ولأن ساعة الذروة حق للجميع سيقوم بعض بهلوانات الطريق ببعض الاستعراضات التي تقلع الفؤاد حيث سيتجاوز صاحب سيارة زرقاء السيارة الحمراء من الجهة اليمنى، كما سيطلق صاحب سيارة بيضاء بوق سيارته في الفضاء الساخن طالبا افساح الطريق، لكن صاحب سيارة فضية جديدة سيفتح النافذة بطريقة السوبرمان ويمد رأسه صارخاً في السيارة الحمراء: شيل هالخردة من الدرب، بينما سيقوم راعي كروزر اسود بزجاجه المخفي بحركة اقتراب شديدة من مؤخرة السيارة الحمراء الى درجة النطاح، ثم يكسر الى اليمين ويتجاوز السيارة الحمراء بعدما يعطس عطستين غاضبتين من مدخنته القوية ويطير مسرعا بقوة الصاروخ. ساعة الذروة حق للجميع، لكن ماذا يمكن للمرء أن يفعل حينما يتوقف سائق المرسيدس الكحلية عند رأس المنعطف ليرد على سؤال أحد صيادي الحراج إذا كان يرغب في بيع سيارته، قائلا: «الموتر مب حق البيع»، ولكن ذلك لا يمنعه من السؤال عن تقدير الصياد لثمن المرسيدي، وسينشأ حوار تعارفي بين صياد الحراج وبين راعي المرسيدس، ولن ينتهي الا مع انغام حبسوني وحبسوه التي يطلقها كورس السيارات المحبوسة خلف المرسيدس عند المنعطف. لكن ساعة الذروة تدفع بعض الملهوفين والظمآنين للتوقف امام بائع الآيس كريم قاطعين الطريق ليحصلوا على كأس بارد من المثلجات المشهورة التي تطفيء الظمأ في هذه الساعة القاسية من النهار، وهذه حركة بسيطة يمكن تخيل السيناريو على الشكل التالي: يتوقف السائق امام محل الايس كريم ويضغط على المقود «بيب» فيأتي البائع مسرعا ثم يطلب منه ان يحضر له نوعا من المثلجات فيسارع البائع الى محله ملبياً طلب السائق، وخلال ذلك ستتوقف سيارتان خلف السائق الظمآن الحران احداهما تاكسي وسائقها لا توجد عنده مشكلة فهي شاغرة وينتظر راكباً، وخلفه سيارة صاحبها رجل مسكين يرضخ لواقع الحال فينتظر حتى يعود البائع بالآيس كريم، وهنا حبكة السيناريو حيث يقدم الظمآن للبائع قطعة نقدية من فئة خمسمئة درهم باعتبار انه لا توجد فكة لديه، آنئذ يجري البائع شمالاً ويميناً بحثاً عن فكة، وسيتضاعف الزمن مع مجيء بعض السيارات لتقف خلف السيارات الاولى ليكتمل نصاب الكورس ويبدأ نشيد الأبواق على إيقاع حبسوني وحبسوه. والحبس لغة يعني تقييد حركة الآخرين ومنعهم من الحركة، ولكن هذا المفهوم الكلاسيكي تطور الى حبس عصري يمارسه سجان من نوع مختلف لأنه انسان بريء وليس ظالماً! فهو يتحدث على الموبايل ساعة الذروة أو يجيب عن اسئلة صيادي حراج السيارات عند المنعطف، ولان الصياد نشف له ريقه سيتوجه الى بائع الآيس كريم ليطري حلقه ومن ثم سيتصل بإحدى محطات الـ «إف.إم» ليهدي اغنية حبسوني وحبسوه الى حبل السيارات الذي ينتظر خلفه! E.mail:H-S-D@maktoob.com