لماذا تتردد الدول العربية في التجاوب مع دعوة الولايات المتحدة الى تشكيل «تحالف دولي» لمجابهة ما تعتبره واشنطن ظاهرة ارهابية عالمية، بعد عشر سنوات من مشاركة عربية كبيرة وفاعله في ذلك «التحالف الدولي» الذي افرز حرب الخليج، ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟ ابتداء كان هناك هدف محدود ومحدد لتحالف الامس. وكان علاوة على ذلك هدفا مشروعا بأي معيار من معايير القوانين الوضعية او غير الوضعية: تحرير دولة عربية من احتلال عسكري نشأ عن غزو خارجي غير مبرر، ورغم ان مجموعة دول الجامعة العربية انقسمت على نفسها تجاه فكرة «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة الا ان الاختلاف لم يكن حول الهدف وانما حول الوسيلة. فالدول التي نأت بنفسها عن التحالف لم تكن تؤيد الاحتلال العراقي للارض الكويتية، وانما كانت تعترض على الاستعانة بجهة غير عربية في وضع نهاية لذلك الاحتلال. الآن وبإزاء الدعوة الامريكية «لمكافحة الارهاب العالمي» التي تزحم الافق الدولي، فان الامر قد اختل تماما، فالهدف في هذه الحالة هلامي ومعمم وواسع الى درجة الغموض، فهو يبدأ من اسامة بن لادن وحكومة طالبان الافغانية ليتسع بعد ذلك دائرة بعد دائرة، فيشمل «الدول التي تؤوي الارهاب» (نحو 60 دولة وفقا للمنظور الامريكي)، وعراق صدام حسين و «حزب الله» في لبنان و« حماس» و «الجهاد الاسلامي» في فلسطين المحتلة، وكافة المنظمات الفلسطينية المقيمة في دمشق والتي اتخذت موقفا معارضا لاتفاق اوسلو وتداعياته. هذه الهلامية هي التي تجعل الحكومات العربية ترتاب في الامر برمته .. وبدافع الارتياب تعمد الى وضع شروط. فالسعودية مثلا تعلن بصوت جهري انها لن تسمح لاحد باستخدام اراضيها لشن هجوم على دولة عربية او اسلامية ومصر ترى ان حملة لمكافحة الارهاب يجب ان يسبقها عقد مؤتمر دولي لتعريف ماهو الارهاب اصلا، وكل الدول العربية تقريبا ترى ان امر مكافحة الارهاب يجب ان يكون تحت مظلة الامم المتحدة، لا الولايات المتحدة. ويبدو ان هذا التوجس العربي نابع ايضا من اعتبار آخر. فما بين حرب الخليج في عام 1991 وحمى الارهاب في عام 2001، يبدو ان الدول العربية لخصت لنفسها تجربة التورط في حصار العراق. تحرير الكويت كان المفروض ان يكون البداية والنهاية لكن المسلسل الامريكي افضى بعد ذلك الى «تدمير آلة الحرب» العراقية ومن ثم الى «مناطق الحظر الجوي» .. وفي هذه الاثناء يستمر تضييق الحصار على العراق الى اجل غير مسمى، على طريق الغاء وجوده كرقم هام في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. وهكذا اكتشفت الدول العربية ان «التحالف الدولي» ضد العراق الذي بدأ كوسيلة مشروعه لتحقيق هدف مشروع، انحرف عن طريقه ليكون في خدمة الاجندة الامريكية لحماية الأمن الاسرائيلي. ولا شك ان الحكومات العربية تستحضر الآن هذه التجربة في رد فعلها تجاه الدعوة الامريكية الثانية، الى «تحالف دولي» جديد. وعلى خط مواز فان هذه الدعوة الامريكية الثانية تتزامن مع انتفاضة فلسطينية ثانية .. لكن بصورة مختلفة. عندما صدر النداء الامريكي الى تحالف دولي ضد العراق في عام 1990 كانت انتفاضة 1987 قد انخفض زخمها الى درجة الاضمحلال، بينما نجد الآن ان الدعوة الى تحالف دولي ضد الارهاب العالمي، تصادف انتفاضة فتية اتمت للتو عامها الاول وهي في اعلى درجات العافية والقوة .. مما يجعل اية حكومة عربية تفكر مرتين وثلاثا تجاه اية دعوة من دولة عظمى انفضح امرها تماما كشريك كامل للدولة اليهودية التي تستهدفها الانتفاضة الفلسطينية. ومن الغريب حقا انه بينما بات اصدقاء واشنطن في العالم العربي وحتى حلفاؤها في اوروبا يدركون ان الظرف قد تغير مابين حرب الخليج «وحرب الارهاب» فان الدولة العظمى نفسها عاجزة فيما يبدو عن هذا الادراك! احمد عمرابي