كلما زادت واشنطن في ضغوطها لاستقطاب الدول للاصطفاف وراءها تحت راية «مكافحة الارهاب العالمي» كلما اكتشفت ان للآخرين اجندتهم الخاصة التي تتعارض مع الاجندة الامريكية، فمكافحة الارهاب لا يمكن بحال من الاحوال فصمها عن واقع الساحة الدولية بمصالحها المتضاربة وصراعاتها المتجددة. حلفاء الولايات المتحدة الاوروبيون اول من رفع اصبعه معترفا بكل تهذيب على انفراد واشنطن بقيادة حملة دولية على الارهاب رغم ما وعدوا به من تضامن معها بلغة البيانات والتصريحات. فالدول الاوروبية تخشى ان يجري لها ما جرى للحليف الاكبر عندما تفجرت احداث ارهاب داخل الاراضي الامريكية نفسها. وعليه فان الحكومات الاوروبية ليست على استعداد لمجاراة الولايات المتحدة في مغامرات عسكرية كاسحة ضد «الدول التي تؤوي الارهاب» خشية خلق استفزازات جديدة ترتد كضربات على لندن وباريس وبروكسل على نحو ما جرى في نيويورك وواشنطن. لذا استقر اجماع دول الاتحاد الاوروبي على حصر التأييد الاوروبي للولايات المتحدة في عملية تأديبية تقتصر على افغانستان فقط. وحتى هذا التأييد المحدود مشروط بتقديم ادلة امريكية ملموسة تثبت فعلا ان جماعة اسامة بن لادن، ومن ورائها حكومة طالبان، هي المسئولة عن احداث نيويورك وواشنطن. وعندما التفتت واشنطن صوب حلفائها الآخرين في العالم العربي والاسلامي اكتشفت ان افتراضها بأنها تلقى دعما وتضامنا بلا حدود ليس دقيقا. فأهم العواصم العربية والاسلامية قالت لواشنطن انها ليست على استعداد للانضمام الى حملة عالمية لمكافحة الارهاب، اذا لم يتوافر في هذه الحملة شرطان: اولا: الا تصنف المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي كعمل ارهابي، ثانيا الا تكون اسرائيل عضوا في الحملة. وربما يقال ان باكستان هي الدولة الاسلامية الوحيدة التي شذت عن الاجماع الاسلامي. لكن حتى الجنرال مشرف له شروطه كما ثبت مؤخرا، فهو اولا يرفض اشراك قوات باكستانية في اي هجوم بري امريكي ضد طالبان، وثانيا يرفض التوجه الامريكي للتحالف مع المعارضة الافغانية. وازاء فتور حماسة اوروبا والعالم العربي والاسلامي قررت واشنطن ان تجرب حظها مع روسيا لتكتشف ان موسكو ايضا لها شروطها المنبثقة من اجندتها الاقليمية والدولية. ان الولايات المتحدة ليست بحاجة الى الدعم الروسي المباشر في حد ذاته بقدر ماهي بحاجة الى استخدام اراضي دول آسيا الوسطى المتاخمة لافغانستان كقواعد لشن هجوم بري وجوي ضد طالبان من أجل اقتناص اسامة بن لادن، لكن رغم ان الاتحاد السوفييتي راح في ذمة التاريخ الا ان حكومات آسيا الوسطى لا تزال رهن اشارة موسكو في رسم علاقاتها الخارجية. من هنا قالت موسكو لواشنطن: الشيشانيون ايضا ارهابيون، بالتالي فان مشاركتنا لكم في القضاء على طالبان مشروطة بمشاركتكم معنا في القضاء على ثورة الشيشان الانفصالية. بكلمات اخرى يتعين على الولايات المتحدة ان تغير تصنيفها للشيشانيين من «ثوار» الى «ارهابيين» فالحركة الشيشانية الانفصالية المسلحة التي تهدف الى الاستقلال عن السيادة الروسية ظلت واشنطن تنظر اليها بعين رضا كحركة تؤدي لاضعاف روسيا وتفتيتها. فماذا تعني اذن الدعوة الى «مكافحة الارهاب الدولي»؟ وفقا للرؤية الامريكية فانها تعني بسط المزيد من الهيمنة الامريكية على العالم وتوفير المزيد من الحماية لأمن اسرائيل، ولكن واشنطن تنسى ان للآخرين ايضا اجندتهم وبالتالي حساباتهم الخاصة.