من أجل ان تكون الحكاية اقصر وابلغ، اجدني مضطرا لتجنب الحديث عن خصائص ثابتة لما يعرف بالنظام العالمي، النظام الذي نعايشه راضين او مرغمين، والامر بعد ذلك، في غاية اليسر اذ ليس لهذا النظام من «خصائص ثابتة» واذا ما كانت له «خصائص» فهي غير ثابتة بل متغيرة مع تطور تكنولوجيا اسلحة الدمار، ومتغيرة كذلك مع التبدل في موازين القوى وانفلات العالم من القوة الثنائية ليخضع الى قوة واحدة، وربما سيخضع الى قوى متعددة ولهذا لا يتحدث الدارسون في مجال السياسة الدولية عن خصائص بل يحاولون ابراز ثلاثة عناصر يستند اليها النظام، واول هذه العناصر توفر قوة لها مشروعيتها لدرء اللجوء الى العنف والاخلال بسلام العالم. وثانيها وجود قانون عام يحدد الواجبات والمسئوليات التي تحتم على كل الاطراف الدولية الالتزام بها. وثالثها ان يكون ثمة نظام قضائي يستجار به عندما يستجد هجوم او عنف او اعتداء من طرف على آخر او من اكثر من طرف على طرف او عدة اطراف. قوة تدخل قد يكون اهم هذه العناصر هو توفر القوة، قوة بوليس او قوة عسكرية ترتدي رداء بوليس تتدخل حين يصدر جهازها لها الامر بالتدخل. وقد يكون موطن اهمية هذا العنصر، هو ما يمكن ان يعتري مواد القانون واحكام القضاء من اختلاف في التفسير والتأويل. ومن باب الذكرى والعبرة، فان «عصبة الامم» المندثرة لم تكن تمتلك قوة البوليس بل لم تكن قادرة بأية وسيلة على ايقاف تدخل موسوليني في اثيوبيا، او اليابان في الصين، القوى الفاشية في اسبانيا، ولهذا ومن اجل عدم تكرار الهفوات، فقد انشئت «الامم المتحدة» لكي تكون في ايدي القوى المنتصرة القوة البوليسية التي توظف امكاناتها لخدمة مساعي هذه المنظمة في توطيد دعائم السلام، وهكذا كان. ان قوة البوليس قائمة بشكل او بآخر تدخلت وستتدخل في مناطق الصراع متى ما اريد لها ان تتدخل تجاوبا مع ارادة القوى الكبرى، وبالطريقة التي تخدم مصالحها، ووفقا لتفسيراتها وتأويلاتها لمواد ميثاق الامم المتحدة وفقراتها. ينص ميثاق الامم المتحدة في مادته الثانية، وبالفقرتين الثالثة والرابعة منها، على التزام الاطراف بالوسائل السلمية في حل المنازعات الدولية، والامتناع عن استعمال القوة او التهديد باستعمالها في العلاقات مابين الدول. وقد استثنى الميثاق بمادته الحادية والخمسين الاطراف المعنية من الالتزام بذلك في حالة الدفاع عن النفس من هجوم مسلح، وتحت اشراف الامم المتحدة على النحو الذي اوردته المادتان الرابعة والعشرون والتاسعة والثلاثون، او بالاستناد الى دعوة من الدولة التي تستخدم فيها القوة كما هو موضح في الفقرة الاولى من المادة الثانية. ان اية قراءة متأنية لتلك النصوص تجد الابواب منفتحة امام الاجتهادات تحليلا وتفسيرا وتأويلا ولهذا، فان الامر ليس منوطا بالامم المتحدة لتوطيد ركائز النظام العالمي بل بما تراه القوى الكبرى، وبالصياغة التي تراها لتلك القوة البوليسية. ركائز الامن فقد تكون هذه القوة مكونة من فضائل عسكرية لدولتين او اكثر، او تقوم على وحدات في حلف عسكري مثل «الناتو» ولهذا ايضا، فان النظام العالمي سيظل قائما بشكله الحالي او بالشكل الذي سيئول اليه مادام يخدم مصالح الدول المهيمنة. ان هذا النظام سيظل كما هو غير مانع من تفجر المنازعات وتجددها هنا وهناك في ارجاء الارض، بل ربما كانت هذه المنازعات وستظل ضرورية لبقائه واستمراريته، وهكذا فان التدخل البوليسي لحل المنازعات ليس بالامر الحتمي، وعلى سبيل التمثيل، فان كنا نشهد تدخل قوة البوليس من اجل فرض السلام على ارض البلقان، فان مثل هذا التدخل لا نشهده من اجل فلسطين، كما لم نشهده في المنازعات المتكررة على الارض الشيشانية، وليس في ذلك من غرابة، فالدول الكبرى لها مصالحها القائمة والمنتظرة استراتيجيا، وهي تتصرف اقتصاديا وسياسيا وبوليسيا بل وعسكريا وفقا لما تقتضيه هذه المصالح، وليس هناك من تجاوز في القول بان وجود الامم المتحدة بكل اذرعها من اجهزة وهيئات يتوقف على مدى ما تقدمه من مساع في ضمان تلبية قوة البوليس لرغبات تلك الدول، تلك الرغبات التي قد تبدو متناقضة ولكنها متفقة في الجوهر على ان الحال القائمة هي احسن الاحوال لانها لا تؤدي الى سقوط النظام العالمي القائم فلا غرو، بعد ذلك، ان نجد تغاضيا ان لم يكن سماحا باراقة الدماء في بقعة من الارض، واطلاق قوة البوليس من لجامها لتفعل فعلها في بقعة من الارض في مسعى لايقاف اراقة الدماء. ذلك ان الهدف سيظل اولا واخيرا هو ابقاء النظام مستقرا على ركائزه وبعناصره المتعارف عليها، وان يظل تدخل البوليس مرتبطا كل الارتباط بعمليات الابقاء هذه ولك ولي ان نعتبر بقول من قال: قتل امريء في غابةٍ جريمة لا تغتفرْ وقتل شعب آمن مسألة فيها نظرْ وقد لا نكون مجانين الصواب حين يذهب بنا الظن الى القول بان النظام العالمي تنظيرا وتطبيقا مسألة فيها نظر! ـ اعلامي عربي