من عواقب احداث الثلاثاء الامريكي الاسود في سبتمبر الماضي ان ارتفعت صيحات كانت متوقعة بالطبع بحكم جسامة الواقعة وما نجم عنها من خسائر انسانية ومادية .. وهي صيحات بالحرب والانتقام وتشديد قبضة اجهزة الأمن .. دع عنك اجهزة الرصد ومؤسسات المتابعة والمراقبة واستنباط المعلومات. لكن الذي يسترعي اهتمام المراقب السياسي وخاصة حين يكون على مقربة نسبية من مواقع الاحداث هو ارتفاع دعوة لها ايقاعها الخاص وهي: الحرب من اجل النفط ! ولقد وضعنا علامة تعجب بعد هذا الشق، لان الصراع الذي اصبحت الولايات المتحدة على وشك ان تخوضه، ان لم تكن قد خاضته فعلا على الارض، هو الحرب ضد الارهاب ولك تحت هذا الشعار ان تتصور حربا ضد التعصب او حربا ضد العنف الدموي .. الخ. لكن هاهو الكاتب الامريكي بول كروجمان يرصد ان ثمة خطابا سياسيا. مستجدا على الحوار الدائر في امريكا يتناول موضوع «الحرب من اجل النفط» حيث ترتفع بهذا الخطاب اصوات اليسار في الولايات المتحدة فيما تجاوبها اصوات من اليمين الامريكي المحافظ تقول: ان الهجوم الارهابي على مواقع نيويورك مؤداه حث امريكا على ان تبحث عن النفط في المناطق القطبية المتجمدة شمالي العالم. اتفاق اليمين واليسار ومن عجب ـ يضيف بول كروجمان (نيويورك تايمز ـ عدد 26/9) ان جناحي اليمين واليسار في السياسة الامريكية يتفقان على وضع قضية البترول في بؤرة الاهتمام. وربما حازت هذه القضية اهتماما من جانبنا بحكم المعلومات التي يوردها الكاتب الامريكي المذكور واهم مافيها: ـ ان ثمة دعوة ترتفع دوما في خضم الازمات. ـ وربما تحاول استثمار بل واستغلال تلك الازمات ـ ومؤداها دفع الاوساط البترولية في امريكا للاستثمار في التنقيب عن النفط في ولاية الاسكا القطبية الشمالية. ـ ان امريكا تنتج الآن اقل من نصف كميات النفط التي تستهلكها وهو ما يجعلها في رأى الكاتب الامريكي ـ معرضة لمؤثرات خارجية او فلتقل مستضعفة امام الاسواق والمصادر الموجودة خارج حدودها. ـ مع ذلك فاحتمالات استخراج كميات من النفط في الاسكا لا تبشر بخير كثير كما يضيف بول كروجمان سوف تبلغ في ذروتها او عند اقصى انتاجية لها نسبة 5 في المئة من الاستهلاك الامريكي من البترول بمعنى انها سوف تخفف نسبة اعتماد واشنطن على اسواق الخارج من 50 في المئة الى 45 في المئة فقط . يضاف الى هذا ان استخراج النفط من الاسكا من شأنه ان يلحق اضرارا بيئية جسيمة بالحياة الطبيعية ـ البرية في تلك الولاية الشمالية الباردة حيث يدمر جوانب ثمينه من هذه البيئة وهو ماقد تنجم عنه اضرار بالغه بدورها في بيئة الولايات المتحدة ذاتها . من هنا يؤكد المراقبون والاختصاصيون ان اهمية الشرق الاوسط ـ الجزيرة العربية والخليج بالذات ـ ستظل قائمة بالنسبة لاسواق النفط في الغرب. وحتى لو جاهدت امريكا واستثمرت ـ افتراضا ـ نزعة الوطنية المتأججة بفعل احداث سبتمبر بين رعاياه من اجل تنفيذ دعوة للاقتصاد في استخدام النفط او لترشيد هذا الاستخدام وصون موارده .. وحتى لو امكن من خلال مثل هذه الجهود الوصول باستهلاك الفرد الامريكي الى مستوى او حجم استهلاك قرينه الفرد في اوروبا الغربية (الاتحاد الاوروبي) ـ ستظل الاهمية الاستراتيجية. كما يسميها بول كروجمان حقيقة قائمة ومطروحة بالنسبة لنفط منطقة الخليج .. وحتى لو اصبحت امريكا مكتفية ذاتيا من الناحية النفطية فان حلفاءها ـ يضيف صاحبنا الامريكي في اوروبا واليابان ومواقع اخرى من العالم سيطلبونه في حال من الاعتماد الشديد على واردات النفط من خارج حدودهم. سؤال مهم مطروح ـ والسؤال المهم المطروح اذن هو: ـ ماهي الدروس المستفادة من هول احداث 11 سبتمبر 2001 في الطرف الجنوبي الادنى من جزيرة مانهاتن في نيويورك؟ يجيب كروجمان قائلا: ـ يتمثل هذا الدرس في ان ليس بوسع امريكا ان تضمن دخولها في هذا المضمار ونحن بحاجة لا لحماية مصالحنا (النفطية) الخاصة بنا وحسب بل لحماية مصالح حلفائنا ايضا. في هذا السياق بالذات يلفت انظارنا ونحن نراقب المشهد الاقتصادي والسياسي الامريكي شعار حماية المصالح او الامدادات النفطية وكيف انه مطروح على مستوى الخطاب العام رغم ازدحام القضايا، ولا سيما تلك المرتبطة بقضايا الحرب والعنف والارهاب والصراع. هكذا تنشر الواشنطن بوست في عدد 25/9 مقالا موجزا ومهما تحت العنوان التالي: «مطلوب حماية امداداتنا النفطية وترجح اهمية هذا المقال الى ان كاتبه ديفيد جولدوين كان يشغل منصب مساعد وزير الطاقة الامريكي للشئون الدولية في عهد ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون. ويلفت النظر ايضا مشاركة الكاتبين كروجمان وجولدوين في العزف على نغمه «امريكا وحلفاؤها في مجال النفط» وان كان المسئول النفطي السابق في حكومة كلينتون يضم الى هؤلاء الحلفاء منتجي النفط انفسهم محددا هدف هذا التحالف بعبارة موجزة هي: ... كفالة أمن الطاقة وهو يعترف في مستهل مقاله بان الاحتياطيات الامريكية من النفط الخام ومن منتوجات اخرى ذات صلة مثل زيوت التدفئة ووقود النفاثات والبنزين احتياطيات شحيحة .. وان اصرار الاوبك خلال العامين الأخيرين على تقييد حجم الانتاج من اجل خلق اسعار مرتفعة ومصطنعة (نص كلمات المسئول الامريكي) قد ادت الى انخفاضات قياسية في مخزونات النفط ويمضي ديفيد جولدوين قائلا: ـ ان اي انقطاع او تعطيل (او اعاقة) جسيمة للامداد النفطي كان يقع مثلا هجوم على الناقلات في اعالي البحار او على المصافي في امريكا او على حقول النفط لدى الموردين الخارجيين يمكن ان ترفع بالاسعار الى عنان السماء فتصيب اقتصادنا باضرار فادحة وتخلق صعوبات بالغة للشمال الشرقي (ساحل امريكا المطل على الاطلسي) عندما يتعرض الى برد الشتاء القارس. في هذا الخصوص يمضي مساعد وزير الطاقة الامريكي السابق فيقترح خمس خطوات رئيسية من اجل «حماية امدادنا .... النفطي» ونحاول تلخيصها فيما يلي: ـ اولا: ان تبادر حكومة الرئيس بوش الى ملء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي في الولايات المتحدة، وهناك مساحة في مستودعات هذا الاحتياطي الاستراتيجي لا تزال تسع 155 مليون برميل اضافي من النفط لزيادة حجم هذا الاحتياطي المقصود منه ان يكون ملاذ الولايات البترولي حين تداهمها الملمات أي ملمات. .. ثانيا: ان تمارس واشنطن استخدام ما في امكانها من وسائل (سياسية واقتصادية، ودبلوماسية وغيرها) من اجل الضغط على منتجي النفط حيث تصر واشنطن على ان يزيد انتاجهم الآن. وان يبيعوا كميات استراتيجية من النفط الى الولايات المتحدة وحلفائها من اجل زيادة احتياطيات المشترين (الاقواس من نص كلمات المسئول المذكور). وفي ضوء هذا المطلب، ينبغي ان تزيد الاوبك كميات الانتاج الآن كي تعود الاسعار الى معدل 18 دولارا او 20 دولارا للبرميل بحيث لا يؤدي الطلب الجديد على النفط من خلال آليات التسعير المعروفة الى المزيد من رفع الاسعار. وقد لايفوتنا بهذه المناسبة ملاحظة ان المسئول الامريكي يطلق على سعر 18 دولارا او 20 دولارا وصف السعر التقليدي للنفط، ولم يسأله احد: لماذا هو تقليدي وبالنسبة لمن ولمصلحة من؟ ثم ملاحظة انه يطالب بعد ذلك بان يدلل المنتجون على تضامنهم مع امريكا بان يؤكدوا لها سبل اعادة بناء مخزوناتها النفطية دون ان تتكبد واشنطن لقاء هذا اي تكاليف تنوء بها ميزانيتها. ـ ثالثا يطالب ديفيد غولدوين بلاده بان تبادر الى بناء احتياطيات اضافية، مستجدة من وقود الطائرات ومن البنزين والكيروسين وما في حكم هذه المواد الاساسية من المشتقات النفطية، على غرار ما فعلته امريكا بالنسبة لزيوت التدفئة او التسخين، ويرى في ذلك ـ ومعه الحق في تصورنا ـ ضمانة ضد اي اضرار قد تحيق بالمصافي او المنشآت النفطية في الولايات المتحدة. ـ رابعا: على جبهة السياسات ومن اجل بناء وتوطيد الجبهات العالمية التي تتصدى للاضرار التي تهدد عالم اليوم، تدعو الاقتراحات التي نعرض لها الى ان تبادر ادارة الرئيس بوش الى عقد دورة استثنائية لوكالة الطاقة الدولية لكي ينظر المجتمعون في امر زيادة احتياطيات الغرب من النفط، ولما كانت الوكالة المذكورة تعتمد نظام الحصص في بناء الاحتياطيات لدى الدول المختلفة، فالاقتراح يدعو الدول اعضاء الوكالة التي تدنو حصصها عن المستوى المقرر الى ان تبادر الى الالتزام بالحصص المطلوبة .. والهدف هو: الحيلولة دون ان تحتدم منافسة ـ غير مطلوبة طبعا. بين الحلفاء في الغرب على امدادات النفط وهو امر يراه صاحب الاقتراح من الخطورة بمكان. ـ خامسا: يدعو نائب وزير الطاقة السابق في حكومة كلينتون رفاق الطريق من خلفائه في حكومة بوش ـ وزير الطاقة الامريكي الحالي بالذات ـ الى الدعوة لعقد هيئة تحمل الاسم التالي: «مجلس المساعدة الامنية فيما وراء البحار» والهيئة في جوهرها عبارة عن لجنة دائمة تضم في عضويتها الشركات الامريكية العاملة فيما وراء البحار وتضم ايضا ـ وهذا هو المهم ـ عددا من كبار مسئولي الامن في الادارة الامريكية. مهام مجلس المساعدة ويقضي الاقتراح المطروح بان يتناول مجلس المساعدة او اللجنة الدائمة امر اعادة النظر في الاجراءات السابق اتخاذها من اجل حماية شحنات النفط المنقول في اعالي البحار، فضلا عن تدابير حماية الهياكل الاساسية ـ المنشآت النفطية الجوهرية القائمة خارج حدود الولايات المتحدة ويضرب ديفيد جولدوين مثلا حيث يعدد منها حقول النفط والمصافي وما في حكمها. ويختتم نائب وزير الطاقة الامريكي السابق آراءه. وطروحاته بالتأكيد على ما يتسم به النفط من اهمية جوهرية لدرجة اصبح معها في رأيه هو السبب الاساسي لاحتفاظ امريكا بامكانات عسكرية، واسعة النطاق في الشرق الاوسط، بل ان التنافس على امدادات النفط ـ كما يضيف صاحب هذه الآراء ـ ظل يلعب دوره في كل حرب كبرى اندلعت وشاركت امريكا في غمارها خلال سنوات القرن الماضي ومن ثم كانت دعوته التي ما برح يلح عليها باصرار شديد ويلخصها في آخر السطور في عبارات يقول فيها: ـ نحن ـ الامريكيين ـ بحاجة الى امعان التفكير منذ الآن من اجل تأمين احتياجاتنا من الامدادات النفطية. وتجاوبه مرة اخرى مع طروحات الكاتب بول كروجمان الذي أحلنا الى ارائه في مستهل هذا الحديث انه لا يرى مهربا (نص كلماته) للعالم للخروج من حقيقة ان احتياطيات النفط في الشرق الاوسط هي ضرورة جوهرية للاقتصاد العالمي. ولا يكفي هنا في رأيه مباشرة التنقيب عن مصادر نفطية في براري الاسكا المغطاة بالضباب والثلوج، ولا في الاسترسال في الاحاديث التي تبشر باستخدام سيارات تتميز بمزيد من الكفاءة او الاقتصاد في استخدام طاقة المحروقات النفطية. ويبدو ان ثمة رهانا ـ نكاد نلمح بوادره حاليا ـ من جانب الاوساط الاقتصادية الامريكية على امدادات نفطية تأتي من روسيا .. الخصم السابق اللدود ايام الحرب الباردة كانت روسيا قد انتجت 323 ملايين طن من النفط عام 2000 الماضي (ما يعادل 6.5 مليون برميل يوميا) ورغم ان التنبؤات الاقتصادية، تتوقع زيادة قد نراها متواضعة في حجم الانتاج النفطي الروسي لتصل في عام 2001 الحالي الى مقدار يتراوح بين 340 و 350 مليون طن، الا ان هذه الاوساط توقفت مليا عند وقائع الاجتماع الذي شهده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الاخيرة لالمانيا وقد ضم الاجتماع نحو 350 من كبار الصناعيين والاقتصاديين الالمان واعلن خلاله بوتين ان روسيا على استعداد لان تزيد مقدار انتاجها من النفط في حالة ان تعرضت للخطر الامدادات النفطية العالمية المطروحة في أسواق الانتاج والتصدير بسبب اندلاع صراعات اقليمية تنشب هنا وهناك. وفي كل حال لا يملك المحلل السياسي، خاصة من وجهة نظر قومية الا ان يضع في اعتباره دوما مفردات الدعوة التي ختم بها بول كروجمان مقاله مؤكدا ان على امريكا وربما الغرب بصفة عامة التماس سبيل ما ـ كما قاله لكي تنفطم الولايات المتحدة بل والاقتصاد العالمي بشكل عام عن الاعتماد على نفط الشرق الاوسط مستخدمين في رأي الكاتب الامريكي ايضا مزيجا او خليطا او تركيبة تجمع بين الابتكارات التكنولوجية والسياسات الراديكالية. ما نوعية مثل هذه السياسات الراديكالية المبتكرة او الجذرية او الناجزة الحاسمة ...؟ لم يحدد الكاتب القصد الذي يرمي اليه في هذا المجال .. وسيظل السؤال معلقا؟ ـ كاتب سياسي مصري