يعرف عني أصدقائي غرامي بالمعاجم العربية القديمة وولعي بها، وبالفعل فأنا أحب تصفح المعاجم القديمة وقراءة موادها، ولذلك تضم مكتبتي الخاصة معاجم «لسان العرب» و«تاج العروس»، و«الصحاح» و«مقاييس اللغة» لابن فارس و«تهذيب اللغة» للأزهري و«المخصص» لابن سيدة، ناهيك عن الذيل والصلة والتكملة، ولا أنسى معجم «العين» الشهير لسيبويه، وقراءة مثل هذه المعاجم متعة لا يعرفها إلا من جربها، فهي تعطي القارئ معلومات مفيدة إلى أبعد درجة، وتصدمه ببعض الآراء والأفكار التي لا يتوقعها في كل مجال. ولا غرابة في أن أجلس إلى هذا المعجم القديم أو ذاك بين الحين والحين، وأترك نفسي على سجيتها وأنا لا أختار بعض المجلدات على سبيل المصادفة، وأتصفح الصفحات إلى أن أجد ما يشد عيني، وغالبا ما أجد ما أخرج به سعيدا، وأحسبني عرفت بداية هذه المتعة منذ أن درست على أستاذي حسين نصار علم المعاجم العربية، وقرأت كتابه العمدة عن نشأة المعاجم العربية وتطورها. ومنذ أن استطعت تدبر أمر شراء مجلدات المعاجم وأنا لا أترك معجما أسمع عنه إلا وأسعى للحصول عليه. وكانت سعادتي غامرة عندما أهداني أستاذي حسين نصار المجلدين الرابع والخامس من «معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية» وهو المعجم الذي وضعه العلامة أحمد تيمور الذي تدين له المكتبة العربية بكثير من النفائس التي ما كان يمكن للقراء أن يعرفوها لولاه. وأنا أعرف انشغال الاستاذ الدكتور حسين نصار بهذا المعجم منذ وقت طويل، وها هو يصدر المجلد الرابع ثم الخامس عن مركز تحقيق التراث التابع لدار الكتاب المصرية في هذا العام 2001. وكالعادة، حملت المجلدين إلى حيث أفرغ لهما، وقضيت وقتا ممتعا في تصفح المجلد الرابع، وشدت عيني بعض الكلمات التي لم أكن أعرفها، والتي قادت معرفتها إلى معلومات طريفة. ولا بأس بأن أذكر في هذه الهوامش بعض ما أحسبه من طرائف العامية المصرية القديمة. ومن ذلك كلمة زحلفه «السلحفاه» وهي الحيوان المعروف الذي زعمت العامة أنه كان في الأصل امرأة، وأن السيدة فاطمة ـ عليها السلام ـ طلبت منها رحى لتطحن عليها، فأبت ورفضت وأنكرت وجود رحى عندها، فدعت عليها السيدة فاطمة بأن تمسخ رحى، فمسخها الله على هذه الصورة، وجعل ظهرها مثل الرحى، وعلة بطنها كذلك. وقد اعتادت العامة في مصر إلى أيام أحمد تيمور باشا أن يمسكوا الزحلفة «السلحفاة» ويحكون بطنها بأصابعهم ويقولون: «يا زحلفة جوزك أجوز عليكي» ويكررون ذلك، فتحرك الزحلفة «السلحفاه» رأسها، وتخرج يديها، وتحركها نحو رأسها من كثرة الحك، فتبدو كما لو كانت تضرب بيديها على رأسها، وتزعم العامة أنها تلطم خديها من غيرتها على زوجها، مع أنهم لو حكوا بطنها دون كلام لفعلت ذلك.وذكر العلامة تيمور بعد ذلك أن الغيلم هو ذكر السلحفاة، وأنه دابة بحرية مثلها، وبعض العرب المجاورين للبحر يسمونها: الحمسة. ومن الكلمات الطريفة الفعل زربن، وهو فعل اشتق من الزربون، يقولون: فلان يزربن، وطلعت زرابينه: أي غضب فشتم.والزربون هو الفعل، ويطلق على العبد عند شتمه، فيقال له: يا زربون، يا ابن الزربون. أما الزرابين فهي مراكيب أهل الريف التي يلبسونها في أقدامهم. ويذكر تيمور أن بعض العامة يفخم حرف الزاي فيقول: ظربن. ونقل تيمور عن بعض مصادره القديمة أن زربون الأدب هو الشاعر، وهو تعريف ان دل على شئ فإنما يدل على هوان مكانة الشاعر الذي انحدر إلى أدنى المراتب الاجتماعية، نتيجة احتراف المدح، ونتيجة هوان الممدحين في الوقت نفسه. ولذلك قال أحد شعراء العصر العباسي الثاني، واصفا تدني مكانة الشاعر بقوله: الكلب والشاعر في حالة يا ليت أني لم أكن شاعرا أما تراه باسطا كفه يستطعم الوارد والصادرا وأتوقف بعيني عند كلمة زربيح التي كانت تستخدم اسما لبعض الشخصيات في الأفلام المصرية القديمة، أو في المسرحيات المرتجلة التي تتحدث عن أهل الريف. وكان الاسم مرتبطا في ذهني بشخص قروي فقير ساذج يضحك عليه الجميع بسبب سذاجته وعبطه. ولم أعرف أن الزربيح اسم نبات إلا من معجم تيمور، كما عرفت أن هذا النبات الريفي تؤخذ العذبة الموجودة في وسطه، أو يؤخذ طرف الوسط، ويصنع منه مع القطن الصوفان. ويسمى الزربيح عند أهل الريف، أيام تيمور، رائحة الكلاب لأن رائحتها غير مقبولة، ولكن أهل الشرقية يطلقون عليه: منتنة. ويبدو أن رائحة النبات كانت الأصل في التسمية الساخرة الهجائية لبعض القرويين الذين حرصت أعمال الكوميديا في السينما المصرية على تصويرهم تصويرا كاريكاتيريا لا يخلو من فجاجة. ولا زلت أذكر أن أحد أصدقاء الصبا الباكر تعارك معي لأنني دعوته باسم زربيح بعد أن سمعت الاسم في أحد الأفلام القديمة، وبعد أن رأيت بعض الشبه بين زربيح الفيلم وصديقي الذي خاصمني، ودفعني إلى أن أكف عن مناداته أو مناداة غيره بهذا الاسم الذي لم أكن أعرف أنه اسم نبات يطلق عليه الفلاحون اسماً يدل على الرائحة الكريهة. ومن طرائف العامية التي يذكرها تيمور الفعل زر «بفتح الزاي وتضعيف الراء».وهو صوت يقال للحمار فينهق. وذكر تيمور أن الكلمة تستخدم بوصفها فعل أمر بمعنى أحذر. وزر تفعل كذا، أي إياك أن تفعل كذا. ويمضي تيمور بالقارئ في سياحة لغوية، موضحا أن الزر هو تضييق العينين على نحو ما ورد في القاموس، ومنه زر على عينه. وتخاذر صغر عينه وما كانت صغيرة. ويضيف إلى ذلك زر الطربوش وهو عذبته أو طرفه، والأصل في ذلك أن ما نتأ من الطربوش يشبه الزر فسمى ما تدلى منه به. والرز والزرار بمعنى واحد، والجمع زراير. ومنه زرار الكهرباء أو أي زر في الصنائع. ومنه زر القميص، حيث يقال تزرير الزرار. وتقول العامة، فيما يذكر تيمور، عينه بزر: إذا كانت مقلتها بارزة وصارت فيها مثل الزر لداء وقع بها. والزر تطلقه العامة على الشعور بالذنب. أو الخجل فيقال فلان وقع فانكسر زره ومنه زر شمام بمعنى الثمرة. والكلمة أصلها فارسي، من زر بمعنى الذهب، ولذلك استخدم العامة كلمة الزر إشارة إلى نوع من العملة، هي تلك التي كانوا يطلقون عليها اسم «محبوب». وغير بعيد عن ذلك الفعل زرزر أي غضب وأظهر غضبه، ومنه أغضبه. وفي القاموس زرزر: صوت، ولعله أصل الاستخدام العامي. ويتحدث تيمور عن الحمام المزرزر وهو نوعان: منه نوع منقط نقطا ملونة، جميل المنظر، ومنه المزرزر البدنجاني ـ أي بلون الباذنجان ـ وهو ما خلطت فيه تلك النقط الملونة، ولونة جميل أيضا. ويذكر تيمور أن أهل الموصل يقولون لمن في شعره سواد وبياض: زرزوري. فلعل الحمام المزرزر من ذلك، أي في لون الطائر المسمى بالزرزور. ويفخم بعض العامة الزاي فيقول: فلان مظرظر على أي ثائر وغاضب، وتطلق كلمة الزرزور على الطائر، ولكنها تطلق كذلك على البغل الذي أمه حمارة، فيأتي صغير الجسم، ويستعمل للركوب. ومن الكلمات الطريفة كذلك كلمة الزعزوعة، وهي طرف العود من قصب السكر، وجمعها زعازيع، وتستعمل الزعزوعة أيضا لطرف عود الذرة. أما أبو زعيزع فهو لعبة تتخذ من رأس الجزر، فيقطع من وسطه من جهة فقط قطعا لا يبلغ اللب، فيمكن تحريكه باليد بحيث يكون كالساجد والقائم، ويقولون: يا بوزعيزع قوم صلي، كل سنة وانت محني لأن الجزر غالبه أحمر. وغير بعيد عن ذلك في الموقع كلمة مزعوط وهي في معنى مزرود، وتدل على الشخص الذي أحمر لونه من صدمة ما.ومنها زعيط ومعيط ونطاط الحيط وهي تطلق على ما يقترب من المثل القديم: اختلط الحابل بالنابل، كناية عن ارتباك الأحوال، والأصل في الحابل هو الصائد بالحبل، كما أن الأصل في النابل هو الصائد بالنبل، وكان المعنى الأصلي قرين اختلاط الأمور في الصيد، ثم انتقل إلى اختلاط الأمور بوجه عام. ومن الكلمات الطريفة الفعل زف، ومنه زفة العروسة والعريس، ومنه زفة الأمراء ومواكبهم، فقد ورد في «خطط المقريزي» الإشارة إلى أميرة جندار، وهو ذلك الذي يدور حول السلطات بالزفة في سفرة، والجندار هو منصب من مناصب عسكر السلطان. ومن عادات الفلاحين في الريف أنهم ـ إذا خرجت العروس للزفة ـ يحملونها قطعة من الخميرة يزعمون أنها بذلك تعمر مع زوجها. وعندما تصل بيت زوجها وتدخله. تقف أمامه بالباب، وترفع إحدى رجليها، فتمر العروس من تحتها، لأجل أن تبقى دائما في طاعتها وتحت أمرها. وتمشى أمام العروس امرأة وبيدها شئ من السلق الأخضر، فترميه على الباب وتخطو العروس في دخولها، فيقولون سلق أخضر.وإذا لم يجدوا السلق رموا أي شئ أخضر من برسيم ونحوه. وكانت للرفاعية زفة فيها أكل النار والثعابين والصبار والزجاج والضرب بالسيوف، ويبدو أنهم كانوا متأثرين في ذلك بطوائف الشيعة، وظلوا على ذلك إلى أن أبطل أحمد بن محمد الرفاعي أكل النار والثعابين وغيرها، لأنه كان يكره دخول النار وأخذ الأفاعي ومن يومها ظلت الزفة عند المتصوفة زفة مسالمة بلا أذى. وما أكثر الطرائف التي وجدتها في «معجم تيمور الكبير»، وما ذكرت بعضها إلا لإغراء القارئ بمطالعة المعجم بنفسه. ولعل خير خاتمة لما ذكرت من هذه الطرائف كلمة زويلي. والزويلي وعاء صغير من الخشب كالكوز، يدهن بالأصباغ ويوضع فيه الجبن والمش في الريف. أما الذي للفقراء الذين يعيشون على السؤال فيكون كالزورق في شكله. والزويلي في الريف أيضا يشرب فيه اللبن. ويطلق في بعض البلاد على طاجن السمك، وهو من الفخار، وفي بعضها يسمى بالصحفة. ويرجح أحمد تيمور أن الزويلي محرفة من «الزلة» وهي كلمة مولدة للوعاء الذي ينقل فيه الطعام. وعلى ذلك يكون أصل اسم العالم المصري أحمد زويل قريبا من هذا الوعاء المقرون بالطعام. والله أعلم.